fbpx
خاص

نحـن جـيـل خـائـب

التونسي حسونة المصباحي قال إنه لم يتفاءل بالربيع العربي لأن ثقل الماضي أجهضه

عبر الروائي التونسي حسونة المصباحي عن سعادته بتتويجه قبل بضعة أشهر بجائزة محمد زفزاف بأصيلة، كما استحضر، في هذا الحوار الذي خص به “الصباح” على هامش مشاركته في المعرض الدولي للكتاب، جوانب من علاقته بصاحب “الثعلب الذي يظهر ويختفي”. وقال صاحب رواية “هلوسات ترشيش” إنه لا يؤمن بقواعد ثابتة في الكتابة، كما تحدث بتشاؤم عن الواقع العربي الذي قال إن قدره أن يكرر الخيبات والانتكاسات.

< مشاركتك في معرض الكتاب أشهرا قليلة بعد تتويجك بجائزة «محمد زفزاف» للرواية ما هو إحساسك وأنت تتوج بجائزة تحمل اسم صديق لك؟

< سعدت كثيرا بهذه الجائزة، لأنها تكريم لي كاتبا سعى دائما إلى ربط نفسه بالمغرب والإبداع المغربي بكل تجلياته من رواية وقصة وشعر وفنون تشكيلية. إذ بدأت زياراتي له منذ مطلع الثمانينات، ومنذ تلك الفترة راكمت صداقات عديدة مع رموز الثقافة المغربية، وكان الراحل محمد زفزاف من بين هؤلاء.

كما سعدت بهذه الجائزة لأني تسلمتها من «منتدى أصيلة» وهذه المدينة وأنشطتها الثقافية هي التي جعلتني أتعمق إلى حد كبير في التعرف على المغرب، وهي مدينة ثقافية بامتياز  ولم تخدم الثقافة المغربية فقط بل العربية والعالمية لأنها انفتحت على كل أشكال الثقافة وساهمت ملتقياتها في طرح مجموعة من الأفكار والأسئلة.

كما أن اعتزازي بهذه الجائزة يعود لأنها جائزة محترمة رمزيا وماديا، وتحمل اسم كاتب كبير ترك بصماته في الكتابة المغربية والعربية، وكان رجلا يمثل البساطة ويمثل النضال الثقافي لأنه لم يكن ذلك الرجل الذي يبحث عن الشهرة والأضواء، وكان يعمل طيلة الوقت في شقته المتواضعة بحي المعاريف بالبيضاء، وهناك كان يستقبل أصدقاءه ويفتح لهم قلبه، إذ كان الحديث معه ممتعا وجميلا خاصة عندما نتحدث عن الكتاب العالميين، وكان قارئا نهما ويترجم نصوصا رائعة، وحاول أيضا الانفتاح على الثقافة المشرقية عبر مصر ولبنان وتونس التي زارها ودعي إحدى المرات إلى مهرجان «قابس» وأذكر أنه كتب نصا جميلا من وحي رحلته إلى الجنوب التونسي.

< من خلال تتبعك للحركة الأدبية في المغرب العربي، كيف ترى الجيل الجديد من الروائيين وتوجه القراء والكتاب معا نحو الرواية جنسا أدبيا تعزز حضوره أكثر من السابق؟

< في المغرب هناك دائما ثورة وحراك جميلان، يمثلهما الجيل الجديد من الأدباء الشباب، الذين كان معظمهم صغارا أو بعضهم لم يولد بعد، حينما بدأت في التردد على المغرب مطلع الثمانينات، وهو ما مكنني من التعرف على أكثر من جيل من الأدباء والكتاب في المغرب. لاحظت أنه في السنوات الأخيرة تألقت أسماء مهمة في الرواية مثل عبد الكريم جويطي وياسين عدنان وطارق بكاري وغيرهم.

< هل تشعر أن هذا الجيل يشكل استمرارية مع ما سبق أم أن هناك قطيعة؟

< هذا الجيل مطبوع بشكل آخر، فهناك مناخات أخرى لم يعرفها الجيل السابق. بالتأكيد هناك تأثيرات، لكن الجيل الجديد لا يمكن أن يكون جديدا بالمعنى الإبداعي للكلمة، إلا إذا شق لنفسه طريقا مغايرا مع تلك التأثيرات. أي أن يكون الكاتب كاتبا، وأن يكون نفسه لا مجرد مقلد للآخرين. فمثلا زفزاف كان يربطنا بفضاءات الدار البيضاء ومحمد شكري ينقلنا إلى عوالم طنجة، بينما الكتاب الشباب تجدهم مرتبطين بالمغرب ككل.

< على ذكر الارتباط، يلاحظ في أعمالك الأدبية القصصية أو الروائية ارتباطك بفضاء القرية في الوقت الذي كان معظم الكتاب يحصرون الفضاءات السردية على المدينة فقط؟

< عندما بدأت بمجموعتي القصصية التي اشتهرت بها وهي «حكاية جنون ابنة عمي هنية» كان جل شخوص هذه المجموعة حقيقية حتى إني احتفظت بمعظم أسمائهم الحقيقية، مع إضفاء لمسة خيال، وهي مستوحاة من البيئة التي شهدت طفولتي ومراهقتي، إذ ظل الريف يسكنني إلى حد هذه الساعة مع أني عشت عشرين سنة في ألمانيا وتجولت كثير ا في العالم. ثم إن الروايات في أمريكا اللاتينية أغلب أحداثها تدور في الريف وليس في المدينة، فقد خُلق أدب جديد خرج عن المدينة، والأدب الروائي الخارج من الأرياف ليس جديدا، فمثلا في الرواية العالمية الشهيرة «دون كيخوتي» لسيرفانتس هناك الريف والفضاءات الواسعة، كما أن غابرييل غارسيا ماركيز يستحضر في أعماله القرى والمدن الصغيرة، وأعتقد أن الطرح الذي يقول إن الرواية يجب أن تكون مدينية أو لا تكون أصبح متجاوزا، فالرواية هي العالم، والعالم في أي مكان، كما أن الموت والحياة يوجدان في الريف والمدينة، لذلك فإن هاته المسألة تطرح في كثير من الأحيان بشكل إيديولوجي تعسفي، ففي مصر هناك نجيب محفوظ الذي كتب عن القاهرة لكن هناك أيضا يوسف إدريس الذي كتب عن القرية.

بالفعل يحضر الريف بقوة في العديد من أعمالي الأدبية، لكن أيضا تحضر مناخات أخرى مثل تونس العاصمة في رواية «هلوسات ترشيش» ويحضر المغرب بمدنه في «التيه» و»وداعا رزوالي» و»الآخرون» كما أن روايتي الأخيرة «أشواك وياسمين» تجد فيها جانبا من تاريخ المغرب من خلال بعض سلاطينه مثل المنصور الذهبي ومولاي إسماعيل.

< في أغلب أعمالك الأدبية لا تشطّ بخيالك بعيدا وتكتفي بالاشتغال على شخصيات وفضاءات قريبة منك.. ما تعليقك؟

< الواقع هو الخيال بالنسبة إلي. فكافكا مثلا يقول إنه لا بد أن ننتبه إلى ما يحيط بنا ففيه كل شيء، فبالإمكان أن نتلمس أشياء عظيمة إذا ما نحن انتبهنا إلى ما حولنا، فالواقع خيالي أيضا.

< استثمرت في بعض أعمالك عناصر ظلت تعتبر منفلتة على الاشتغال الروائي مثل الأدب الشفوي وحكايات الفلاحين؟

< دائما أساوي بين المكتوب والشفوي، فأنا عشت طفولتي الأولى وأنا أسمع الناس، لم يكن هناك لا جهاز راديو أو تلفزيون ولا سيارات ولا كهرباء، لقد كان الشفوي هو الكل في البيئة التي عشت فيها، حتى المدينة كنت أسمع عنها من خلال ما يحكيه المحيطون بي عندما يعودون من زيارتها. الشفوي والفضاء الواسع مهم، لذلك تجد في الكثير من قصصي تأثيرات الأدب الشفوي وأجعل الشخصيات تحكي بسليقتها وليس بالاعتماد على اللغة المتينة والكلاسيكية لأن هذا يجهد النص ويقتله.

< أسلوبك في الكتابة لا يخضع لقاعدة معينة في السرد ويضع وزنا للحبكة والحكي المتصل، هل هذا مقصود منك؟

< لا أومن بشيء اسمه قواعد الكتابة. منذ البداية مزقت كل هذه القواعد التي تقوم بيني وبين النص الذي أكتبه، فالنص الروائي مفتوح على كل شيء، لذلك تجد الشعر والروبورتاج والأحلام والكوابيس، وهذا ما يمكن أن تلاحظه في روايتي الجديدة «أشواك وياسمين» إذ حاولت أن أوظف فيها أسلوبا جديدا في السرد، فالكاتب الحقيقي هو الذي يتحدى المسلّمات في الكتابة، لأن الكتابة بدون حرية لا تكون حقيقية.

< روايتك «الآخرون» جاءت أشبه بسيرة ذاتية حضر فيها المكان والأصدقاء بشكل مكثف ووظفت فيها إيقاعها متسارعا للحكي؟

< فعلا هذه الرواية هي سيرة للذات والآخرين، يحضر فيها كل الذين تقاسمت معهم المصير نفسه: التيه والتشرد والإطلالة على الهوة العربية، لأننا جيل يعيش الهوة بعد الأخرى، فتحنا أعيننا على الاستقلالات الوطنية ولاحظنا كيف ركبت عليها الأنظمة المتسلطة التي قمعت الشعوب ووجهّت الناس بالسوط والبندقية. كل الأحلام والأماني تحطمت، لذلك نحن جيل نخرج من نفق لندخل آخر، نحن جيل خائب بالمعنى الحقيقي للكلمة، مثلما كان الجيل الروسي في القرن التاسع عشر. الجيل العربي الذي ولدت فيه جيل الانكسارات والخيبات المتتالية.

< ولعل الجيل الحالي أيضا يواصل هذا الإحساس بالانكسارات؟

< طبعا وأنتم الآن تعيشون نكسات الربيع العربي الذي علق عليه الكثيرون أحلاما كبيرة في الوقت الذي لم نجن منها إلا الخيبات مجددا، ولا يمكن فهم هذه الانكسارات إلا عندما نفهم أنه سبقتها انكسارات أخرى. تفاءل الكثيرون عندما اندلع الحراك العربي، وأنا لم أتفاءل لأني كنت أعلم أن ثقل الماضي سوف يضغط في النهاية لكي لا يقع التغيير الذي تطمح إليه الشعوب والنخب، لأن الماضي فظيع جدا وهناك الثقل الديني وثقل التقاليد كل هذا لا يترك التغيير يحدث بسرعة.

العرب خرجوا من التاريخ

< بهذا المعنى فإخفاق المواعد التاريخية قدر عربي؟

< أعتقد أن نظرية نهاية التاريخ التي تحدث عنها الفيلسوف الألماني هيغل يجب أن نقلبها، فالعرب يعيشون نهاية التاريخ منذ سقوط بغداد والأندلس، فقد خرجوا من التاريخ ويطلون من حين لآخر ثم يعودون إلى هامش التاريخ. أطلوا في بداية القرن العشرين مع حركة النهضة التي قادت إلى التخلص من الاستعمار لكن سرعان ما فشل هذا المشروع، والنتيجة مجتمعات تهددها الحروب ومفهوم الدولة لم يعد موجودا في العديد من البلدان العريقة مثل سوريا والعراق وليبيا حتى تونس صارت الدولة فيها ضعيفة، كما أن إسهام العرب في التاريخ المعاصر صفر رغم النفط والثروات إذ لم ينجزوا شيئا في المجالات التقنية والفكرية وغيرها.

في سطور

– مواليد قرية «الذهبيات» في ريف القيروان عام 1950.

–  درس الآداب الفرنسية في جامعة تونس.

– أمضى أكثر من عشرين سنة في مدينة ميونيخ الألمانية، عاد إلى بلده تونس، حيث يقيم ويعمل الآن في مدينة الحمامات.

– من أشهر أعماله ثلاث مجموعات قصصية هي “حكاية جنون ابنة عمي هنية” و”ليلة الغرباء” و”السلحفاة”

– أصدر روايات “هلوسات ترشيش” و”الآخرون”  و “وداعا روزالي” و”نواره الدفلى” و”حكاية تونسية”

– ترجم من الفرنسية إلى العربية عشرات المؤلفات منها “أصوات مراكش” لإلياس كانيتي، “قصص للأطفال” جاك بيرفير و”الحب هو البراءة الأبدية” منتخبات من الشعر العالمي.

أجرى الحوار: عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى