fbpx
ملف الصباح

الكسالة… حكايات وأسرار

بورتريهات  نساء ورجال يشتغلون أكثر من 19 ساعة في اليوم في غياب تغطية صحية وقانون منظم

تغيرت مهنة «الطيابة» بين الأمس واليوم. وهو تغير فرضته عادات استهلاكية جديدة دخلت الثقافة المغربية وفرضت نفسها بقوة على المعيش اليومي للمغاربة. وبعد أن كان الجميع يقصد حمام «الدرب»  أو «الحومة» حيث يقطن، أصبحت الموضة تتطلب اليوم اللجوء إلى خدمات الحمام التركي و«السبا»، ومعه تغيرت الخدمة التي تقدمها «الطيابة» بين حمام عصري وآخر تقليدي،  لكن ظلت الوضعية الاجتماعية نفسها لمهنة يشتغل أصحابها أكثر من 19 ساعة في اليوم، في غياب تغطية صحية، أو قانون منظم.

عاملات “الكوماج”…ثورة “الكسالة”

يتقاضين بين 50 و150 درهما للزبونة في الحمامات العصرية وبعضهن ينوعن خدماتهن

لم تعد كلمة «طيابة» ولا «كسالة» تليق بالمهنة في عصر الحمامات التركية الجديدة، وما رافقها من قاموس جديد، مستقى من عرنسية (دمج العربية بالفرنسية)، الدالة عند البعض على العصرنة. بل أصبح بعضهن، وأغلبهن شابات في مقتبل العمر، يفضلن تسمية «ماسوز» أو عاملة «الكوماج» و«سافوناج».

ولم تقتصر محاولات مواكبة العصر على التسميات فحسب، بل شملت أيضا الأسعار والمعاملة، لتقفز من أسفل درجة في سلم المهن، لا تطأها أقدام النساء إلا بعد أن يتغول عليهن الفقر، إلى مهنة لها قواعد جديدة وأسعار تغري حتى الشابات لاقتحامها، بعد أن كانت حكرا على الأرامل والمطلقات ومعيلات أسرهن المعدمة.

«50 درهما هي القليلة»، تقول زبونة حمام تركي، ردا على سؤال السعر الذي تتقاضاه «الكسالة» الجديدة، «أديت 100 درهم، 50 للحمام، و50 للكسالة، وهي غير راضية، لذلك لم أحصل على خدمة جيدة، لأني لست من الزبونات المفضلات لدى عاملات هذا الحمام». تضيف الزبونة، التي خاصمت الحمامات الشعبية، بسبب حالة الزحام التي تعرفها في غالب الأحيان، و»لأني مصابة بمرض في القلب أستحم في حمام تركي، ولو أن ثمنه مرتفع بالنسبة إلي». فيما اعتبرت أخرى أن 50 درهما ليست ثمنا مناسبا لخدمة من هذا النوع، «كون كان عندي أكثر كون عطيتها حتى 200 درهم، حيت ماشي ساهل شي وحدة تنقيك».

في بداية اشتغالها في حمام عصري بالبيضاء، لم تكن مينة، القادمة من إحدى القرى النائية، تصدق أن عملها «كسالة» سيدر عليها دخلا مهما بالمقارنة بما كانت تتقاضاه من العمل نفسه في بلدتها، لذلك كانت الشابة تبذل قصارى جهدها لإرضاء زبوناتها، اللواتي كن يفضلن انتظار دورهن للحظو بخدمتها، على أن تخدمهن أخريات،  لكن لم تمر إلا بضعة أشهر، حتى أدركت الشابة أن نوع الخدمة التي تقدمها يستوجب رفع السعر، «تدفع الزبونات 50 درهما، 30 منها للحمام و20 ل»الكوماج»، 15 درهما منها للكسالة، و5 دراهم ربح لصاحب الحمام، وهو ثمن هزيل جدا، غير أن الزبونات يدركن ذلك ويمنحننا على الأقل 50 درهما إضافية»، تقول مينة، التي انبهرت للمرة الأولى حين وضعت بين يديها زبونة مبلغ 50 درهما، إضافة إلى ما تتقاضاه من مالك المرفق نفسه، ثم تضيف «لكن بعد مدة تبين لي أن باقي الكسالات يتقاضين أجرا أعلى مني، رغم أنهن لا يبذلن مجهودا كبيرا، بل إنهن كن يخترن زبوناتهن بعناية، خاصة النحيلات، حتى لا يتعبن أكثر، ويتقاذفن باقي الزبونات إلا إن كن من اللواتي يدفعن بسخاء».

لا تشتغل كسالة الحمامات الجديدة، طيلة اليوم، بل تقتسم عاملاتها العمل على فوجين، الأول في الفترة الصباحية والثاني في فترة بعد الزوال، «صاحب الحمام يفرض ذلك علينا، كي لا تتعرض إحدانا لمشكل صحي، قد يجره إلى المساءلة، لذلك، أعمل شخصيا في فترة المساء لأن أغلب الزبونات يخترن هذا التوقيت بالذات، ما عدا العطلة الأسبوعية اللواتي يتحول فيها الحمام إلى سوق منذ فتح أبوابه» تقول مينة، التي تعلمت بالإضافة إلى «الكوماج» تقنيات «الماساج» و«السافوناج»، وتحتفظ كباقي العاملات بصندوق لمواد عطرية وزيوت تبيعها لزبوناتها وتستخدمها في عملها، «أفضل أن أحظى بزبونة تطلب ثلاث خدمات في واحدة، وتقتني مني الأعشاب والزيوت وتدفع بسخاء».

«الحاجة أم الاختراع»، وهو السبب نفسه الذي دفع عاملات الحمامات العصرية إلى تنويع خدماتهن، وتعلم تقنيات جديدة لرفع مدخولهن، «أبيعهن حناء معطرة بالورد وأنواع الصابون المختلفة منها المستخرجة من زيوت أركان، وزيوت أستخدمها في التدليك، ولا تخرج الزبونة إلا بعد أن تشرب كأس شاي في صالون الحمام من يدي» تقول سارة، وهي عاملة في حمام تركي، تختار زبوناته بعناية، بل إنهن يجرين بها الاتصال قبل الوصول إلى الحمام، «إذا عملت مع خمس من هذا النوع سيكون مدخولي بكل تأكيد مهما، لكن إذا عملت مع الزبونات العاديات فلا أربح منهن إلا الطلبات المتكررة «حكي هنا، زيدي هنا…» تختم سارة، التي انقطعت عن الدراسة بعد خطبتها لمهاجر، قبل أن تنهي علاقتها به، وتجد نفسها مضطرة إلى الخروج للعمل لمساعدة والدتها في تحمل مصاريف البيت.

ضحى زين الدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى