fbpx
ملف الصباح

لا جدوى من إدانة دون إرجاع المال العام

الحسين الراجي يدعو إلى تعديلات في القوانين والتعامل بالعدل مع كل القضايا

يعتبر الحسين الراجي، رئيس نقابة المحامين المغاربة، والمحامي الممارس بهيأة مراكش، أن محاكمات مختلسي المال العام بل وحتى إدانتهم بعقوبات سجنية، دون أن تعود الأموال المبددة إلى صناديق المؤسسات العمومية التي نهبت منها، محاكمات تبقى دون جدوى، إذ العبرة بالنتيجة، خصوصا أن الجرائم نفسها تتكرر، ما يعني أن القانون بمستواه الزجري، لم يفلح في الردع.

يرى الحسين الراجي، أن الأهم في كل تلك الهالة التي تثير الرأي العام، هو انتظارات المواطنين، قبل الدولة، بمعنى عودة الأموال المبددة أو المختلسة.

ويطرح الراجي أسئلة عريضة حول جميع المساطر المتعلقة بقضايا اختلاس العام ومدى قدرتها على جبر الضرر واسترجاع ما ضاع في غفلة من السلطات أو بمساهمة منها.

ليجيب بأن أغلب هذه المساطر ينتهي بصدور أحكام سواء بالبراءة أو الإدانة، وتتوقف هذه الأحكام عند تلك الحدود  والقلة القلية تتعلق باسترجاع المال العام.

وعزا المتحدث ذاته الأسباب إلى إخلتالات مسطرية وإشكاليات، تتعلق بالطرف المدني، الذي لا يكون حاضرا، أي المؤسسة العمومية التي تعرضت أموالها للنهب والاختلاس، فهي لا تتابع مطالبتها بحقوقها ولا يحضر ممثل لها المحاكمة، فعندما يتابع مثلا رئيس جماعة ينبغي أن تحضر الجماعة في شخص من يمثلها قانونا، وهذا يحتاج إلى تعديلات في القوانين تتنبأ بوقوع مثل هذه القضايا وتضع قائمة بصفات من يمكنهم تتبع حقوق المؤسسة العمومية حين يكون ممثلها القانوني موضوع مساءلة.

ويذهب الراجي إلى أن المسالة لا تتوقف فقط على هذا الجانب، بل إن هناك إشكالا كبيرا، يتعلق بإحالة الملفات على غرف جرائم الأموال، فهذه الإحالة تكون ملزمة بكتاب يصدره وزير العدل، على الوكلاء العامين بنفوذ الدائرة القضائية التي وقع فيها تبديد أو اختلاس المال العام، بناء على تقارير أنجزتها المؤسسات العمومية المختصة في الافتحاص، ليطلب منهم فتح تحقيق، فبدون هذه المسطرة غالبا ما يتعذر أن يصل القضاء الى ملفات المال العام، وهنا تطرح مخاوف أن تكون هناك محاباة سياسية، عندما يتعلق الأمر بملفات يتعذر على القضاء النظر فيها لوجود  شخصيات محسوبة على حزب الوزير المعين أو على تكتله السياسي، متسائلا في الآن نفسه هل كل ملفات الفساد المالي تحال على الوكلاء العامين، أم أن هناك سلطة تقديرية يتمتع بها الوزير تمنع من عرض بعضها لأسباب أو أخرى؟

وينتقل الحسين الراجي، إلى إشكال آخر، يتعلق بالإحالة نفسها، إذ تكون في غياب الأطراف، خصوصا الطرف المتضرر وهو المؤسسة العمومية التي تعرضت لتبديد أو اختلاس أموالها، ما يفرض تعديلا أو إعطاء الحق للوكلاء العامين، أو منحها كما سلف الحديث إلى جهاز، لأن في ذلك تنفيذا للسياسة الجنائية.

ويستطرد الحسين الراجي في رصد الاختلالات مبرزا أنه في حالة الحكم بالبراءة فإن المال لا يسترجع، والشيء نفسه في حال الحكم بالإدانة، فينبغي هنا ضمان عودة الأموال في حالة الإدانة، وهو ما يستلزم أيضا تعديلات بصيغة الوجوب، فحينما تقضي المحكمة بالإدانة ترفق ذلك باسترجاع المال المنهوب، فالقضاء هو الساهر على تحقيق العدالة وتحقيق الأمن القضائي، وصدور الأحكام من دون معرفة مصير المال العام المختلس واسترجاعه، يجعلها ناقصة لن تفي بالغرض.

وينتقل الحسين الراجي إلى الحديث عن ضرورة مراجعة الترسانة القانونية وضبطها بآجال معقولة، سواء من حيث افتحاص المسؤسسات وإحالة الملفات من قبل الوزارة على غرف الأموال بمحاكم الاستئناف، أو من حيث البت في هذه القضايا، إذ لا يعقل، يتساءل المتحدث ذاته، أن نناقش في 2017 قضايا راجت منذ 2002 و2003، ولا يمكن أن تتعاقب ثلاثة مجالس على جماعة ما، وملفات مازالت رهينة مساطر طويلة، وبعضها توفي المتهمون الرئيسيون فيها، أو الشهود.

ويختم الراجي بأنه حان الوقت للاستفادة من التجارب السابقة، وتجاوز المساطر العادية، وينبغي أن تكون هناك مسطرة خاصة، فالأمر يتعلق بأموال تقدر بالمليارات، تذهب إلى الزوجات والفروع والأصدقاء وغيرهم،  إذ ينبغي أن تمنح سلطة واسعة للمحكمة للتحقق والتثبت من مصير الأموال، ومنح صلاحيات قوية للقضاء، وكذا تكوين خاص بالمجال المالي والمحاسباتي وقانون الأعمال، فالقضاء مسؤول حمله الدستور مسؤولية حماية الحقوق والحريات، والمال العام حق للجميع.

أكثر من ذلك، أن المتابعات لا تطول سلطات الوصاية بالنسبة إلى العديد من المؤسسات العمومية، رغم الدور الكبير التي يلعبه موظفوها في السماح بتبديد المال العام، ويبقى المنتخبون أكباش فداء، ما يشعر أن هناك حصانات من نوع خاص.

 المصطفى صفر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى