fbpx
ملف الصباح

الأسواق “الدينية” تتحايل على القرار

ph jarfi 1نزع النقاب وتسويق باقي مكونات البرقع وتجار يخزنون سلعهم الممنوعة لترويجها في السر

قد يبدو من الهدوء السائد في درب السلطان بالبيضاء وبالضبط في محيط المحلات المتخصصة في تسويق منتجات السلفيين، بدءا من السواك و”كحل العين” والسجادات والعطور المشرقية وانتهاء بسروال أبو قتادة، وبرقع الأفغانيات ونقاب الباكستانيات، وخمار وسدل السعوديات، أن مياه قرار وزارة الداخلية تجري في مجراها الطبيعي، وأن “الأمر والطاعة” هو جواب التجار، وأغلبهم من السلفيين، لرجال حصاد. غير أن إلقاء سؤال يقيس رد الفعل في بعض هذه المحلات يتحول إلى نار في الهشيم، “لا أريد التكلم عن الخسائر المالية، هذا غير مهم”، يقول تاجر شاب، وقد حرك فيه السؤال مشاعر عجز عن صبها في وجه عون السلطة وهو يبلغه بقرار منع تجارة البرقع بجميع أشكاله الدخيلة على المغاربة، ثم يضيف والزبد يتطاير من فمه، “هناك أشياء أخرى دخيلة، هل ستتحرك الوزارة لمنعها؟ ثم من أعطى رجال السلطة الحق في إخراج قانون بين عشية وضحاها وتطبيقه في ظرف 48 ساعة”، يأخذ الشاب نفسا ثم يتابع أن القرار لا يستند إلى سند قانوني، “جميعنا يعرف القنوات التي يمر منها إخراج قانون وهذا قرار عشوائي، لم يناقشه مجلس حكومي ولا برلمان ولا صدر في الجريدة الرسمية، فكيف يصبح ساري المفعول في ساعات؟”.
بسرعة يتناول تاجر آخر، أزعجه الاهتمام الإعلامي المفاجئ بالسدل والخمار والنقاب والبرقع، سجادات ليغطي العارضات البلاستيكية لهذه الأنواع من الألبسة، “تصويركم لها سيجلب لنا مشاكل نحن في غنى عنها، قالوا ممنوع بيع النقاب، فاستجبنا لهم، ولكن الخمار والسدل غير معنيين بالقرار، حددوا ما أسموه البرقع ونسميه نحن النقاب الشرعي” يقول التاجر، وهو يجاهد للجم أحصنة لسانه، قبل أن تنتصر عليه ليسترسل بغضب، “يمنعون شرع الله! إلى أين يريدون الوصول بالضبط؟ اليوم منعوا النقاب وغدا ماذا سيمنعون؟ نحن في دولة إسلامية ولسنا في أوربا” يتحدث الرجل بلغة تعطي انطباعا أن جميع نساء المغرب منقبات.
إن كانت أغلب شهادات التجار تصب في الخسارة المعنوية بلغتهم، ويرفضون الخوض في الخسائر المالية التي قد يكون القرار خلفها في طريق تنفيذه، فإن أحدهم تساءل عن مصير سلع بقيمة 600 مليون وصلت للتو في حاويات من الخارج إلى ميناء البيضاء، “هل ستصادرها الدولة في الموانئ أم ماذا سيكون مصيرها وقد استوردها أصحابها؟ ما أريد تأكيده هو أنه عندما أرادت الدولة منع البلاستيك أخذت ثلاث سنوات للتخطيط لذلك قبل تنزيل القرار، ولكن حين صدر أمر منع البرقع حددت 48 ساعة، لتنسف تجارة قائمة الذات ولها تجارها وعمالها وخياطوها”، يقول التاجر نفسه، فيما يؤكد آخر أن الخسارة المالية ليست ذات أهمية، “اللباس برمته غير ممنوع فقط نقاب الوجه، وبالنسبة إلي أزلت كل الأثواب التي تستخدم لتغطية الوجه وتركت اللباس كما هو، لكن رغم ذلك كان عليهم التمهيد للقرار ومنحنا مدة أطول لتنفيذه”.
دبت أقدام  أعوان ورجال السلطة في وقت مبكر من أول أمس (الثلاثاء)، في حي الفرح عاصمة أسواق الثوب بالدار البيضاء، إذ لم تتأخر وزارة الداخلية في تنفيذ قرار حجز السلع من المخالفين، غير أن التجار سارعوا إلى تجريد عارضاتهم البلاستيكية من النقاب، فيما حافظوا على باقي مكونات هذا اللباس. وفيما كانت إحدى المنقبات، المرتدية برقعا أسود، تعبر أحد أزقة سوق الفرح، هرول وراءها أحد أعوان التجار، “الأخت فوتي اليوم ورجعي كلشي كاين”، وهو عرض تلقته المنقبة، حسب روايتها، وأعاد إليها الطمأنينة “هل يعتقدون أنهم سيمنعون بيعه بهذه الطريقة، طالما هناك طلب هناك عرض”، تقول بسخرية مضيفة أن المنع لن يقضي على تجارة البرقع، “غير هو غادي نشريوه في السر، ها هو بائع دابا عاد تبعني وقال ليا كلشي موجود، غير نبدل ساعة بأخرى حيت دابا كاينة الحملة”.
معنى شهادة المنقبة أن التجار السلفيين على وجه الخصوص منهم، ينحنون اليوم لعاصفة الداخلية، وهو ما يبدو في الهدوء الذي يعم أسواقهم بدرب السلطان وحي الفرح، لكن ذلك لا يعني أنهم سيمتثلون للقرار بشكل حرفي، مادام بإمكانهم تسويق ما يعتبرونه لباسا شرعيا، في السر، “المسألة ليست فقط تجارة، بل واجب إخواننا، مساعدة أخواتنا على الحصول على لباسهن الشرعي” تضيف المنقبة نفسها.
منقبة أخرى تساءلت عن القرار الذي سيلي منع التجارة، “هل سيمنعوننا من ارتـدائه؟ شخصيا لن أتنازل عن حقي في ارتدائه مهما تطلب الأمر، كما يمكنك أنت ارتداء اللباس الإفرنجي بحرية يمكنني أنا أيضا ارتداء اللباس الشرعي” تقول المنقبة وهي تضع تمييزا بين لباسها ولباس محدثتها، في ما يشبه المنع المعنوي لما أسمته “اللباس الإفرنجي”.
جولة قصيرة في بعض أسواق البرقع وأخواته من “الخمار” و”السدل” وغيرها من الألبسة الأنثوية والذكورية التي يلصق بها مسوقوها طابع “الشرعي”، تشعرك أنك في سوق ديني، لا يخضع للغة الاقتصاد من عرض وطلب، بل تتحكم فيه لغة “الحلال والحرام”.
ضحى زين الدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى