fbpx
خاص

قانون التعمير… “العـــــــجنة مسُّوسة”

تشريع يكرس غموض إجراءات الترخيص والمراقبة ويشــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــجع المـخالفين في غياب نصوص تنظيمية

«جات تكحل ليها..ساعة عماتها»، يصلح هذا المثل الشعبي لتوصيف واقع التيه والتخبط والارتباك الذي طرحته تأويلات النصوص والمقتضيات الجديدة المضمنة في قانون 66.12 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء، مباشرة بعد دخوله حيز التنفيذ عند نشره في الجريدة الرسمية عدد 6501 بتاريخ 19 شتنبر الماضي. ورغم أهمية القانون، الذي يؤسس لبداية مشروع مدونة شاملة للقانون الإداري في مجال التعمير، فإنه سقط في عدد من الهفوات عمقت الاختلالات الكبرى والنقائص ومناطق الظل التي كانت تتخلل القوانين السابقة، ما كان يجعل منها جزءا من الأزمة التي يعانيها القطاع، وليست حلا، ويتعلق الأمر بثلاثة قوانين أساسية هي: القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير (17 يونيو 1992)، والقانون 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات (التاريخ نفسه)، والظهير رقم 1.60.063  الصادر في 25 يونيو 1960 بشأن توسيع نطاق العمارات. الورقة التالية، تقربنا من الموضوع.

يهدف هذا المشروع إلى إرساء معالجة استباقية، فورية، ناجعة ومندمجة لظاهرة البناء غير القانوني، وتعزيز ضمانات حماية المجال العمراني، وتجاوز الاختلالات التي تعرفها منظومة المراقبة وزجر المخالفات المعمول بها حاليا، وذلك من خلال تعزيز الحكامة في ميدان مراقبة وزجر المخالفات عبر تجميع المقتضيات الزجرية المتناثرة بين النصوص القانونية ذات الصلة.

جمع الشتات

يرمي القانون إلى توحيد وتبسيط مساطر المراقبة والزجر، وتوسيع صلاحيات المراقبين مع تمكينهم من الوسائل القانونية والمادية للاضطلاع بمهام اليقظة والرصد وكذا القيام بكل التدابير لإنهاء المخالفات في مهدها عن طريق المساطر الإدارية أو عبر المسطرة القضائية بتخويلهم مهمة تحريك الدعوى العمومية، وربط المسؤولية بالمحاسبة في ما يخص تحديد صلاحيات مختلف المتدخلين من منتخبين وسلطة محلية ومهنيين، والرفع من مهنية القطاع بتقنين فتح وإغلاق الورش وتعزيز صلاحيات مختلف أصناف المهنيين في المراقبة التقنية وكذا مراقبة معايير الجودة.

كما أتى المشروع بمقتضيات جديدة لتعزيز عملية تتبع الأوراش المرخصة وتقنين عملية فتحها وإغلاقها، وتوسيع نطاق التجريم ليشمل جميع المتدخلين والمهنيين عندما تصدر عنهم أوامر، أو توجيهات تنتج عنها المخالفة أو تسهل في ارتكابها وكذا بائعي مواد البناء بدون رخصة المستعملة في المخالفة، وتقنين عملية هدم البناء غير القانوني بإحداث لجنة إدارية مكلفة بالهدم وتنظيم المسطرة الخاصة بذلك، وتعزيز الطابع الردعي للعقوبات من خلال إقرار عقوبات سالبة للحرية في بعض الحالات واعتماد الهدم عقوبة ردعية وكذا الرفع من مبلغ الغرامات المعمول بها في القوانين الجاري بها العمل.

إعلان نوايا

هذه المستجدات تبقى فقط إعلان نوايا لشيء سيحدث في المستقبل، هو بالضبط تنظيم مجال معقد تتشابك فيه عدد الأطراف والمتدخلين والمسؤولين والإدارات مثل التعمير، باعتبارها قطاعا يهم الصالح المحلي (دور رؤساء الجماعات والمنتخبين في تدبير المجال العمراني)ـ كما يهم الصالح العام للأمة.

منذ القراءة الأولى للمشروع الذي يتمم ويعدل وينسخ ويعوض ثلاثة قوانين أساسية في مجال التعمير، تتراءى بين السطور والفقرات والفصول والمواد إرادة حقيقية في توزيع اختصاصات التعمير ومجالاته بين الجماعات المحلية (اختصاص الترخيص العادي، مع إضافة أنواع أخرى من التراخيص الجديدة)، وبين الدولة من خلال اختصاصات بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء التي أوكلت إلى ضباط الشرطة القضائية ومراقبي التعمير التابعين إلى الولاة، أو العمال.

ورغم وضوح هذه الإرادة، فإن المشرع سقط، حسب عبد الخالق عزيز، إطار عال في مجال التعمير والعقار، في فخ التعقيدات المتمثلة في التعديلات المدخلة على القوانين المنظمة لقطاع التعمير سالفة الذكر، بإضافة مواد وفقرات أخرى مكررة (مواد افتتاح الورش)، ما يجعل القارئ مضطرا إلى الرجوع إلى قوانين التعمير المعمول بها، حتى يتسنى له فهم النص.

ويقول الباحث، في قراءة أولية للقانون المثير للجدل، إن المشرع لم يضع تصنيفا دقيقا ومعينا للجرائم التي تمس المجال العمراني، بل تم تحديدها على سبيل الحصر بشكل اعتباطي، كما كان منصوصا عليه في السابق، كما لم يرتق بمخالفة التعمير إلى درجة الجنح، أو الجنايات في أحيان أخرى، مع تحديد دقيق للجرائم التي تشكل إخلالا خطيرا بضوابط البناء والتعمير، وعدم استعمال  المشرع كلمة «جريمة» عوض «مخالفة» حتى لا يفهم أن الأمر يتعلق بمخالفة بسيطة.

ولاحظ الباحث أن المشرع لم يأخذ بعين الاعتبار عددا من النقاط الأساسية، مثل تصنيف المخالفات المتعلقة بالتعمير والتجزئات بكل وضوح وتدقيق، وتحديد الجرائم التي تشكل إخلالا خطيرا بضوابط البناء والتعمير، والتنصيص صراحة على مسؤولية رئيس المجلس الجماعي في حال ثبوت أي تقاعس، أو تواطؤ من جانبه.

وأشار عبد الخالق عزيز إلى نقاط أخرى غائبة، مثل الإقرار بنظام شرطة التعمير جهازا وحيدا متخصصا من أجل النهوض بأعباء تطبيق قانون التعمير، وتكريس مبدأ الصرامة والفعالية في نظام زجر المخالفات، وإمكانية اعتماد نسب مائوية معقولة من الغرامات وتحويلها لميزانية الجماعات المحلية والوكالات الحضرية إن اقتضى الحال.

 مراقبة مع وقف التنفيذ

من أهم غايات قانون 12/66 ما ورد في المادة 64، أي توحيد وتبسيط مساطر المراقبة والزجر المعمول بها عن طريق حذف شكوى رئيس المجلس الجماعي لإزالة كل ما يعيق تحريك مسطرة المتابعة القضائية ضد المخالف، وذلك على غرار ما هو معمول به في القانون رقم 25-90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العـــــقارات.

وخول القانون عمليات مراقبة المخالفات وزجرها لمراقبي التعمير التابعين للوالي، أو للعامل، أو للإدارة صفة ضابط الشرطة القضائية، وتوحيد مساطر المراقبة والزجر الإداري وكذا مساطر تحريك الدعوى العمومية سواء المتعلقة بالتجزيء والتقسيم أو بالتعمير والبناء.

وأعطى القانون الحق للمراقبين تحرير محاضر معاينة المخالفات طبقا للشروط المحددة في قانون المسطرة الجنائية، لتفادي سقوطها بسبب العيوب الشكلية التي تعتري كيفيات تحرير المحاضر، وتوجيهها في ظرف ثلاثة أيام إلى النيابة العامة قصد تسريع تحريك المتابعة القضائية، وتخويل ضباط الشرطة القضائية ومراقبي التعمير صلاحية اتخاذ التدابير المتعلقة بالإعذار والأوامر بالإيقاف الفوري للأشغال وحجز المواد والمعدات المستعملة في البناء موضوع المخالفة وتعيين المخالف حارسا عليها ووضع الأختام.

لكن هذه «المستجدات» مازالت مجرد حبر على ورق ولم يشرع في تنزيلها، رغم مرور خمسة أشهر تقريبا على نشر القانون في الجريدة الرسمية، وذلك لانشغال الحكومة بأشياء أخرى غير إخراج النصوص التنظيمية (الواردة في المادة 65) التي توضح المهام واختصاصات الجهات الجديدة المكلفة بالمراقبة والزجر.

وكان متوقعا، أن تشتغل عدد من الأطراف المتربصة بمنظومة التعمير (مافيا البناء العشوائي وغير القانوني على الخصوص) لتوسيع «إمبراطورياتها» وسط وفي أطراف المدن، إذ يعجز رجال السلطة (خاصة القياد)، لأسباب موضوعية، عن القيام بجميع عمليات المراقبة وأجرأة المساطر وتحرير المحاضر وتبليغها إلى وكلاء الملك، بسبب العدد الكبير من المخالفات.

واكتفت المادة 65 من الباب الرابع (التي تخول لضباط الشرطة القضائية ومراقبي التعمير التابعين للوالي أو العامل أو للإدارة المخولة لهم صفة ضابط الشرطة القضائية)، بتحديد سن خبرة المراقبين في ثلاث سنوات، بينما أحالت إجراءات ذلك إلى نص تنظيمي مازال الجميع ينتظر صدوره.

ولا يقتصر الأمر على معايير وإجراءات التكليف بمهمة مراقب تعمير تابع للوالي أو العامل، بل إن مهامهم في حد ذاتها وطرق وكيفيات مراقبة وزجر المخالفات مازالت أيضا معلقة إلى حين صدور نص تنظيمي آخر.

يوسف الساكت

وزارة تصريف الأعمال تبرر

عاد إدريس مرون، الوزير المكلف بتصريف أعمال قطاع التعمير وإعداد التراب الوطني، للدفاع عن مقضيات القانون رقم 12-66 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء، في افتتاح لقاء تواصلي مع أعضاء المجلس الوطني للهيأة الوطنية للمهندسين المعماريين للمغرب عقد الأربعاء الماضي بالرباط

وقال مرون إن القانون الجديد يمنح المهندس المعماري “مزيدا من الحرية”، مؤكدا أن النص المنشور في الجريدة الرسمية في 19 شتنبر الماضي، يعطي إصلاحات كبيرة في مساطر وممارسات مراقبة الأوراش، مبرزا، في هذا السياق، العديد من الإشكاليات المرتبطة أساسا بالترخيص وتدخل المهندس المعماري ومهمته وكذا بإشراك كافة المتدخلين في عمل البناء (مقاولون ومهندسون معماريون ومهندسون طبوغرافيون ومكاتب دراسات).

وأبرز مرون، في السياق ذاته، أن المهندس المعماري مستقل في اتخاذ القرارات المتعلقة بعمله، مشيرا في هذا الصدد إلى أن القانون رقم 12-66 يمنح العديد من الصلاحيات للمهندس المعماري حتى يتمكن من إدارة ورشه بصفته مهنيا بغية ضمان جودة وسلامة المباني وفقا لقواعد التعمير والبناء.

وأضاف أن هذا اللقاء يهدف إلى مناقشة مستجدات القانون 12-66 وتوحيد الرؤى المتعلقة بقراءته، من خلال استحضار أهم مقتضياته الجديدة، وذلك من أجل تحديد المسؤوليات على مستوى المراقبة في مجال البناء.وأشار الوزير إلى أن هذه المستجدات تتعلق أيضا بإغلاق الأوراش ووضع دفتر خاص بالورش يتضمن جميع المعلومات اللازمة التي تتيح للمهنيين ضمان متابعة الورش.

وسجل مرون أن نص هذا القانون يتضمن أيضا العديد من التدابير التي تعطي صلاحيات واسعة للمتدخلين، مشيرا إلى أن المهندسين أضحوا الآن مسؤولين عن أوراشهم ولا أحد له حق اتخاذ القرار مكانهم ، داعيا إلى وضع حد للممارسات التي تمس بأخلاقيات مهنة المهندس المعماري.وأبرز أن القانون الجديد ينص أيضا على أن للمهندس المعماري الحق في تقديم طلب لرئيس المجلس البلدي من أجل الحصول على شهادة المطابقة أو الترخيص بالسكن.

ي.س

سباعي: قانون متسرع

تحدث محمد كريم سباعي، رئيس المجلس الجهوي لجهة الوسط للهيأة الوطنية للمهندسين المعماريين، عن تسرع في إخراج القانون 66.12، المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء، موضحا أن الغموض والارتباط يلفان مجموعة من مواده، يتعلق الأمر تحديدا بالمادة 65 من هذا القانون، التي منحت صلاحية معاينة المخالفات وتحرير محاضر بشأنها إلى ضباط الشرطة القضائية على الإطلاق، وكذا مراقبي التعمير التابعين للوالي أو العامل أو الإدارة، المخولة لهم الصفة المذكورة، موضحا أن الهيأة بصدد الضغط خلال مناقشة المراسيم التنظيمية الخاصة بهذا الإطار التشريعي، قصد تجريد هذه الفئة من الصلاحية المشار إليها، وتركيزها في يد الولاة والعمال فقط.

وأوضح السباعي في اتصال مع “الصباح”، أن هيأة المهندسين عبرت لإدريس مرون، وزير التعمير وإعداد التراب الوطني، عن عدم رضاها عن بعض المواد المدرجة في الفصل الثاني، الخاص بالعقوبات الزجرية، يتعلق الأمر تحديدا بما تضمنته المادة 78 من قانون زجر مخالفات التعمير، من تحميل المهندس المعماري العقوبة نفسها، المطبقة على المقاول ورب العمل، في حال عدم التبليغ عن المخالفة خلال 84 ساعة من علمهم بارتكابها، مشددا على أن الإطار التشريعي الجديد، صدر في ظل عدم وجود مراقبين على أرض الواقع، من أجل معاينة مخالفات التعمير وزجرها، وهو ما يمثل جزءا بسيطا من مجموعة نقائص، يسعى المهنيون إلى تداركها خلال المراسيم التنظيمية للقانون.

بدر الدين عتيقي

الرميد في حالة شرود

جاء المنشور الصادر عن وزارة العدل والحريات (عدد 58 س)، الصادر مباشرة بعد المصادقة على قانون 12/66، ليزيد الأمر تعقيدا، إذ لم يخلط فيه مصطفى الرميد، فقط، بين “الجماعات الحضرية والبلدية” (المنصوص عليها في القانون السابق 12/90، أو ما يسمى نطاق الجماعات الحضرية المشمولة برخص البناء)، وبين “الجماعات بشقها الحضري والقروي” (قانون 13/144)، ولكن أيضا في إعطاء اختصاصات غير موجودة إلى الأعوان من أجل حجز معدات أوراش البناء.

وانتبه محمد الزكراوي، الباحث في الشؤون القانونية والإدارية وإطار متصرف بوزارة الداخلية، بذكاء إلى هذه النقطة حين أشار إلى أن منشور وزارة العدل والحريات الموجه إلى رؤساء المحاكم ووكلاء الملك، منح صلاحيات للأعوان للقيام بحجز المعدات المستعملة في البناء موضوع المخالفات وتعيين المخالف حارسا عليها ووضع الأختام، في حين تشير المادة 65 إلى الجهتين اللتين تقومان بمعاينة المخالفات (المخالفات منصوص عليها في المادة 45 من القانون نفسه) وتحرير محضر في شأنها، وهما، ضباط الشرطة القضائية، ومراقبو التعمير التابعون للوالي أو العامل أو للإدارة المخولة لهم صفة ضابط الشرطة القضائية.

واستنتج الباحث أنه لا علاقة بين مضمون المنشور ومستجدات قانون 12/66، “ذلك أن موضوع معاينة وإنجاز محاضر بشأنها هو اختصاص أصيل لضباط الشرطة والمراقبين المخولة لهم صفة ضابط الشرطة القضائية، دون إعطاء ذلك الاختصاص للأعوان، باعتبار أن مهمة الأعوان تقتصر فقط البحث عن المخالفات والوشاية بشأنها لضباط الشرطة القضائية دون إنجاز محاضر أو حجز المعدات المستعملة في موضوع المخالفة أو وضع الأختام بخصوصها”.

وقال إن عملية الحجز تستوجب إعمال محضر بخصوصها، وبالتالي لا يكمن للأعوان فعل ذالك، لأن ذلك من اختصاصات ضباط الشرطة القضائية ومراقبي التعمير المخولة لهم صفة ضابط الشرطة القضائية المشار إليهم في القانون، خصوصا أن عملية وضع الأختام تتطلب مسطرة خاصة تقع تحت إشراف النيابة العامة”.

ي.س

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى