fbpx
خاص

خبايا إمبراطورية المزادات العقارية

“الصباح” تكشف خطة دعاوى إصلاح السجلات العقارية للاستيلاء على عقاراتها عبر سلاح الحجز التنفيذي

لا حدود لطموح إمبراطورية المزادات العلنية التي مازالت تتمدد، بشهية أكبر، في أطراف البيضاء ومناطقها الصناعية وأحيائها الراقية، ملتهمة مزيدا من العقارات الموجودة تحت طائلة الحجز، أو موضوع تصفيات قضائية، والاستيلاء عليها، برخص التراب، عبر شبكة معقدة من السماسرة والوسطاء وموظفين بأقسام البيوعات والمبلغين والمحاكم التجارية والابتدائية يضبط إيقاعها رجل أمن متقاعد برتبة “كومسير”!. في الجزء الأول، الذي نشر قبل أسبوعين، رسمنا “بروفايل” مقربا لكبير أباطرة المزادات العقارية العلنية بالبيضاء ومسار حياته المهنية، وتطرقنا إلى واحد من أهم “خبطاته” التي مازالت تثير جدلا قانونيا إلى اليوم (عقار بياضة قرب القصر الملكي)، وفي هذا الجزء الثاني، تفتش “الصباح” في خبايا الاستيلاء على عقارات بكل من عين السبع وسيدي مومن وأنفا تفوق مساحتها 5 هكتارات عن طريق وضع اليد على السجل التجاري، مقدمة للاستيلاء على مجموع العقار، وهي لعبة يتقنها جيدا أصدقاء “ع.البوليسي”.

إنجاز: يوسف الساكت

نحن الآن زوال 15 نونبر 2011. صمت غريب يلف قاعة البيوعات القضائية رقم 10 بالمحكمة الابتدائية المدنية بالبيضاء لا يقطعه سوى وشوشات عونين بلباس رسمي مميز يناقشان نتائج مباراة في كرة القدم ينتصر فيها كل واحد لفريقه. موظف بقامة متوسطة يحمل حزمة أوراق وملفات يلقي السلام ويلج القاعة ويختار مكانا وسطها ويرمي بجسده فوقه، متأففا من مسلسل العمل الذي لا ينتهي.

عقار “ميموزا”

في الجهة الأخرى، يقف ثلاثة أشخاص يبدو من هيأتهم وارتباكهم وتطلعهم إلى ساعاتهم اليدوية أنهم مشاركون في المزاد العلني حول أحد أهم عقارات عين السبع يبدأ للتو، وبالضبط في الساعة الواحدة بعد الزوال.

يلتحق باقي الموظفين والمشاركين والأعوان والفضوليين والسماسرة والمتلصصين، وتعطى ساعة الانطلاق، بالتذكير بقانونية هذا الإجراء بعرض وثائقه الرسمية وأساسا، الملف التنفيذي عدد 183/11 والحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بتاريخ 14 دجنبر 2010 لفائدة شركة (ف.ر) في مواجهة الشركة (م.ل)، ثم محضر الحجز التنفيذي ومحضر التبليغ إلى الأطراف المعنية، وتبليغ المحضر إلى المحافظ العام للأملاك العقارية.

كل شيء جاهز على وجه الدقة القانونية للحسم في العقار المسمى “ميموزا1” ذي الرسم العقاري عدد4494/س الكائن بمرر الكاتوس عين السبع، وتوجيهه الوجهة المرسومة له سلفا، بما فيه دفتر التحملات والشروط المتعلق ببيعه، ونشر إعلان البيع في الجريدة الرسمية وجريدة وطنية، وتعليقه في محاكم البيضاء.

يٌفتح المزاد بإعلان الثمن الافتتاحي للبيع المحدد في 6.557.938.20 درهما، وترمى البطائق الوطنية فوق الطاولة، دليل على الرغبة في المشاركة في المزاد العلني، وكثير منهم لا يشتركون بصفتهم الشخصية، بل بصفتهم مشترين في اسم الغير، وهي الصيغة المنصوص عليها في الفصل 477 من قانون المسطرة الجنائية.

وبعد ثوان معدودة، يشرع المأمور في تلقي العروض والزيادات إلى حين استقرار العرض الأعلى وهو 7 ملايين و860 ألف درهم الذي قدمه شخص اسمه (س.م) الذي يعرفونه عز المعرفة يقولون إنه لا يملك حتى ثمن عشائه، والأحرى مبلغا ضخما من هذا الحجم، علما أن هذا العرض يضاف إليه مبلغ آخر هو 235.800 درهم، واجبا للخزينة.

هذا الادعاء لا يفنذه (س.م) نفسه وباقي السماسرة الذين يقومون بهذا الدور لفائدة الغير، ولم يكن الغير في هذه الحالة سوى شركة (ف.ر) التي حجزت على العقار نفسه (حوالي هكتار ونصف) في وقت سابق، بذريعة استرجاع الأموال التي صرفتها على السجل التجاري لشركة (ب.م) الذي استفادت منه بعد تفويته لها من قبل مكتريه السابق الذي لم يكن سوى (م.م)، شقيق صاحبنا (ع.البوليسي) الملقب بإمبراطور المزادات العقارية العلنية.

مسلسل التشويق

تحكي الوثائق التي حصلت عليها “الصباح” أن المزاد العلني الذي رس على شركة (ف.ر) تقلص مبلغه ليصل إلى ثلاثة ملايين درهم فقط (300 مليون سنتيم) من أصل 786 مليون سنتيم، بعد أن استفادت الشركة من إعفاء 493 مليون سنتيم، هي نفسها قيمة الحجز على العقار المحكوم لفائدتها تنفيذا لدعوى إصلاح السجل التجاري بحوالي 500 مليون سنتيم، حسب الخبرة التي اعتمدتها المحكمة في 14 دجنبر 2010.

كل هذه الإجراءات تبدو قانونية، لكن وجود أسماء وشخصيات بعينها تحوم حول هذا الملف، ولها علاقة قرابة عائلية أو معرفة بإمبراطور المزادات العقارية، يضع كل هذه العمليات موضع شك. كيف ذلك؟

بداية 2002، استطاع إمبراطور المزادات العلنية، الذي مازال إلى حدود هذا التاريخ يشغل منصب كومسير بأمن مطار محمد الخامس بالبيضاء، وضع يده على السجل التجاري تحت عدد 14287 لشركة (ب.م) بممر الكاستوس بعين السبع البيضاء الذي كانت تكتريه منذ سنوات خلت من مالكته الأصلية (الشركة م.ل)، وهي شركة فرنسية الأصل في ملكية ثلاثة فرنسيين أصغرهم ازداد في 1944.

ووضع “ع.البوليسي” يده على السجل التجاري، عن طريق شقيقه (م.م) الذي قام بتفويته إلى شركة (ف.ر) التي ارتأت، بعد تسلمها السجل، أنه يوجد في حالة مزرية جدا لا يصلح للاشتغال فيه وأن عليها أن تقوم بعدد كبير من الإصلاحات وتجديد مرافق وإدخال تحسينات وصيانة واجهات وصباغتها.

وقامت الشركة في سبيل ذلك بتبليغ أصحاب الشركة الأصليين (غير الموجودين أصلا)، من أجل إنجاز هذه الإصلاحات على نفقتهم، وحين لم يستجيبوا إلى ذلك (ولن يستجيبوا أبدا)، بادرت(ف.ر) إلى تعيين خبير محلف أنجز خبرة على الإصلاحات الواجب إدخالها على السجل العقاري قدرت في حوالي 5 ملايين درهم، ورفعت دعاوى قضائية لهذا الغرض، فازت بها الشركة، قبل أن تنتقل إلى المطالبة بالتعويض عنها.

وبما أن جميع طلبات التبليغ ارتطمت بالحائط وعادت إلى المحكمة، انتقلت الشركة إلى إنجاز دعوى للحجز التحفظي على العقار موضوع السجل التجاري، سرعان ما تحول إلى حجز تنفيذي، دخل العقار إثره إلى المزاد العلني، إذ بيعت شركة فوق عقار مساحته 10 آلاف و490 مترا مربعا يوجد وسط مقاطعة عين السبع بـ300 مليون سنتيم فقط.

هذه الخطة “التي لا تخر المية”، حسب تعبير أشقائنا المصريين، نسجها ورعاها وراقب تنفيذها عقل مدبر لم يستفد هذه المرة من العقار موضوع المزاد العلني (كما يفعل عادة سواء في اسمه الشخصي أو اسمي إحدى شركتيه)، لكن مؤكد أنه تقاضى “أتعابه” و”أتعاب” شقيقه الذي لم يكن ليتنازل عن السجل التجاري لشركة/همزة “هكذا لله في سبيل الله”.

عـقـار سـيـدي مـومـن

استعمل “ع.البوليسي” الخطة نفسها في وضع يده على عقار بسيدي مومن، لكن مع تغيير بسيط في الشخصيات والوقائع التي انتهت بالاستيلاء على الرسم العقاري عدد 18624/س للملك المسمى “جوزيف” الكائن بـ6 زنقة مولاي هشام حي القرية سيدي مومن البيضاء الذي تبلغ مساحته 12790 مترا مربعا.

في 26 نونبر 2008، أصدرت المحكمة الابتدائية بالبيضاء حكما لفائدة (أ.م)، الشقيق الآخر لإمبراطور المزادات العقارية العلنية، يقضي بالحكم على الشركة (ع.ص) بسيدي مومن بأداء مبلغ قدره 513 مليون سنتيم، بعد أن ربح دعوى إصلاح محل يكتريه من الشركة نفسها (سجل تجاري)، قال إنه وجده في حالة مزرية، وكان ملزما باستدعاء خبير لتقييم مختلف الإصلاحات وأنواع الصيانة عليه، حتى يتحول إلى محل “قابل للاشتغال”.

المدعي (أ.م)، اتبع، بطبيعة الحال، جميع المساطر القانونية واحترم جميع الشكليات (خصوصا آلية التبليغ)، من أجل استدعاء الشركة المدعى عليها للقيام بالإصلاحات، لكن عدم استجابة الأخيرة، بادر إلى العمل بنفسه مع تسجيل مصاريف هذه الأشغال على الشركة صاحبة السجل الـــــــتجاري.

بعد صدور الحكم، انتقل المدعي إلى الخطوة اللاحقة، أي تسجيل حجز تحفظي مسجل بالمحافظة العقارية على العقار موضوع السجل التجاري لضمان حقوقه (مبلغ نصف مليار من أجل الإصلاح)، وسرعان من تحول الحجز التحفظي إلى حجز تنفيذي بناء على حكم صادر في مارس 2009، أي انتقال العقار إلى السمسرة العمومية.

في نونبر في السنة نفسها، عقد مزاد علني بقاعة البيوعات رقم 10 بالمحكمة الابتدائية، وعرض العقار للبيع بـ650 مليون سنتيم، ووصل عن طريق المزايدات إلى 752 مليون سنتيم تقدم به (أ.م) نفسه الذي فاز بالصفقة التي لم يؤد عنها سوى 199 مليون درهم، فقط مادام حجز على عقار الشركة سابقا لأداء ما بذمتها، أي 513 مليون سنتيم.

فـــنـــون النـصـب

آخر الملفات التي وقعت عليها إمبراطورية المزادات العقارية يعود تاريخه إلى يونيو الماضي، ويتعلق بعملية التفاف على مبلغ يقارب نصف مليار كانت إحدى الشركتين المملوكتين لـ(ع.البوليسي) اقترضته من أحد الأشخاص (م.ت) الذي ليس سوى صديق “حميم” لصاحب الشركة اشتركا، منذ نهاية الثمانينات، في أكل كثير من الملح والخبز.

الحكاية، كما يحكيها (م.ت)، بدأت حين لجأ (ع.البوليسي) إليه يترجاه في منحه مبلغا من الماليا (498 مليون درهم تقريبا) لأداء قيمة مزاد علني موضوع الرسم العقاري عدد 13593/س المسمى ملك “إيف” الذي رسا عليه في 12 أبريل 2011.

لم يتردد (م.ت) في أداء المبلغ الضخم لإنقاذ صديقه من الورطة، وخوفا من إلغاء المزاد العلني من قبل المحكمة بعد انقضاء الآجال القانونية. وقد تم توثيق هذا القرض بشيك بنكي، مازال العارض يتوفر على نسخة منه.

بعد تماطل دام عدة سنوات في إعادة المبلغ حسب الاتفاق بين الطرفين، وبعد مسلسل من “التجرجير”، اضطر المقرض إلى اللجوء إلى القضاء لاسترداد أمواله، إذ حكمت المحكمة الابتدائية المدنية بتاريخ 29 يونيو 2016 بأداء الشركة للمبلغ المذكور مع النفاذ المعجل.

ومرت حوالي 6 أشهر على صدور هذا الحكم، دون أن يتمكن صاحب القرض من التوصل به، إذ لجأ صاحب الشركة إلى أشكال الحيل والتبليغات الشكلية والاعتراضات، حتى يتنصل من أداء ما بذمته، في وقت يطالب فيه الضحية الجهات القضائية بإعمال القانون وتنفيذ حكم عاجل صادر باسم جلالة الملك يتعرض اليوم، للإهانة والتحقير من قبل المحكوم عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى