خاص

حلـب تحتـرق

النظام والمعارضة يتراجعان عن وقف إطلاق النار والعالم يدعوهما إلى التفاوض

لم ينجح اتفاق وقف إطلاق النار بين النظام السوري، والمعارضة السورية المسلحة، في الدوام أكثر من 24 ساعة، في حلب، التي تعرف وضعا مأساويا يؤرق العالم، إذ أعلن الطرفان، أمس (الجمعة)، تعليق عمليات إجلاء المدنيين وأسر المقاتلين المعارضين، من شرق المدينة إلى الجنوب الغربي، ما يشي باستئناف القتال والمجازر.

غموض المآل

تبعا لذلك، لم تتجاوز حصيلة عمليات الإجلاء، التي انطلقت عقب التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار مساء الأربعاء الماضي، حسب إذاعة “أوربا1″،  6400 شخص، بينهم 3000 من المقاتلين المتمردين، وهي حصيلة ضعيفة جدا، مقارنة بالتقديرات، التي تحدد مجموع المدنيين العالقين في الأحياء التي تسيطر عليها المعارضة ويقصفها النظام السوري، في 40 ألف شخص على الأقل.

ولم تظهر بعد، أسباب فشل اتفاق وقف إطلاق النار لإجلاء المدنيين، إذ تبادل الطرفان الاتهامات بشأن ذلك، ففيما نقلت وكالات الأنباء الدولية، عن مصدر أمني سوري، قوله إن التعليق جاء بسبب “خرق المسلحين للاتفاق وقيامهم بأخذ أسرى من المدنيين معهم”، قالت وكالة “الأناضول” التركية، إن “الإجلاء توقف بعد قيام التنظيمات الإرهابية الأجنبية الموالية للنظام السوري بفتح النار على إحدى قوافل الإجلاء الخارجة من المدينة”.

إلى ذلك، ظهرت معطيات وتصريحات، تشي بأن فشل اتفاق وقف إطلاق النار، يعود أيضا إلى ضبابية المآل، سيما بالنسبة إلى المقاتلين المعارضين وأسرهم، إذ توجد تخوفات من أن يكون سماح النظام السوري، بمغادرتهم وإجلائهم من شرق حلب والذهاب إلى إدلب، وراءه نية بجمعهم هناك، استعدادا لتعريضهم لمجزرة.

مفاوضات في الأفق

يبدو أن الدول المتدخلة في الأزمة السورية، واعية بإمكانية أن تكون إدلب، المسرح المقبل للمأساة الإنسانية، لذلك، يعد الرهان الآن، إقناع الأطراف المتصارعة بالعودة إلى المفاوضات من أجل إيجاد حل نهائي للأزمة السورية، إذ قال جون مارك أيرو، وزير الخارجية الفرنسي، عقب لقاء مع المبعوث الأممي إلى سوريا، إن فرنسا “تدعو إلى وقف العمليات القتالية في كل المناطق واستئناف المفاوضات”.

ولم يتأخر فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي، في بعث بعض إشارات الطمأنة، إذ تزامنا مع إعلان، فرانسوا هولاند، الرئيس الفرنسي إمكانية فرض عقوبات أوربية على روسيا بسبب دورها في حلب، أعلن بوتين مساندته لتوجه الأطراف المتصارعة إلى مفاوضات من أجل حل الأزمة السورية.

وفي هذا الصدد قال بوتين، أمس (الجمعة)، إن “المرحلة المقبلة لسوريا ستكون وقفا لإطلاق النار على كل الأراضي”، مؤكدا أن بلاده تجري “مفاوضات مع ممثلي المعارضة المسلحة، خصوصاً بفضل وساطة تركيا”، في أفق اقتراح “مكان جديد لمحادثات السلام، قد يكون تحديدا عاصمة كازاخستان آستانة، على مختلف أطراف النزاع”.

وعلى الصعيد العربي، أبدت جامعة الدول العربية، بعد اجتماع على مستوى المندوبين الدائمين، رغبتها في أن يتم استئناف العملية السياسية لإيجاد حل شامل ودائم للأزمة في سوريا، وأبرزت طموحها في إصدار قرار حازم من مجلس الأمن لوقف العمليات ضد الشعب السوري على نحو نهائي.

أما النظام السوري، فقد اعتبر نفسه منتصرا، إذ بث تسجيل “فيديو” للرئيس بشار الأسد، تزامنا مع انطلاق عملية إجلاء مقاتلي المعارضة والمدنيين من أحياء حلب الشرقية، أول أمس (الخميس)، يبارك فيه لمواطنيه تحرير حلب، قائلا “أريد أن أؤكد أن ما يحصل اليوم هو كتابة التاريخ، يكتبه كل مواطن سوري”.

خمس سنوات من الحرب

تشير التقارير، أن استعادة قوات النظام السوري، السيطرة الكاملة على حلب، أكثر المدن السورية ازدحاماً بالسكان قبل الحرب، التي سيطرت المعارضة المسلحة عليها في 2012، منعطف رئيسي في مستقبل الحرب متعددة الأطراف التي دخلت عامها السادس.

وبالعودة إلى تطور الأحداث وتسلسها في حلب، فقد انطلقت في 2011، التاريخ الذي عرف اندلاع العنف في سوريا بعد حملة شنتها الحكومة على محتجين مسالمين مطالبين بالإصلاح، لتندلع الأزمة السورية، التي أسفرت منذ 2012، عن سيطرة المعارضة على حلب، سيما ريفها من جهة الشمال الغربي، ومحاصرة قاعدة “منغ” الجوية، وبلدتي نبل والزهراء، اللتين تقطنهما أغلبية شيعية.

وأُطلقت النيران لأول مرة على المتظاهرين في حلب في يوليوز 2012، وبدأ المتظاهرون يقاتلون من أجل المدينة نفسها، ما أدى إلى سقوط مناطق ريف حلب الفقيرة بسرعة في أيدي مقاتلي المعارضة، وألحق القتال دمارا كبيرا بالمدينة القديمة.

وشهدت 2013، تحولا مفصليا في تفوق المعارضة المسلحة بحلب، إذ قطعت الطريق السريع بين حلب ودمشق، ما أجبر قوات النظام على استخدام طريق بديل أطول للوصول إليها من العاصمة، كما تعرض القطاع الغربي، الذي تسيطر عليه الحكومة لحصار كامل تقريبا، في حين قطع المعارضون كذلك الطريق البديل لفترة وجيزة.

ولن يبدأ النظام السوري، استعادة المنطقة، إلا بحلول 2014، بفضل  تكثيفه استخدام الطائرات المقاتلة والهليكوبتر في قصف المعارضين، ومع ذلك، حلت 2015، بتحقيق المقاتلين المعارضين سلسلة من المكاسب، إذ وضع النظام تحت ضغط في شمال غربي سوريا؛ حيث تقع حلب، ولم يضعفهم إلا التدخل الروسي، في أكتوبر 2015، بشنه أول ضربة جوية.

في 2016، تقدمت قوات النظام والقوات المتحالفة معها بدعم جوي روسي، نجحت في قطع الطريق المباشر من تركيا إلى شرقي حلب، الذي يسيطر عليه المعارضون، واستعادة قاعدة “منغ” الجوية، وإنهاء حصار مقاتلي المعارضة لنبل والزهراء، والضغط على طرق إمدادهم، ما توج في يوليوز الماضي، بتطويق النظام شرق حلب بالكامل.

وتفيد التقارير، أن القوة الجوية الروسية ومقاتلين شيعة من العراق ولبنان، كان لهم دور محوري في استعادة الجيش السوري شرق حلب، وإحكام الحصار عليه، بشن أعنف ضربات جوية عليه، دام أسابيع، وأسفر عن تدمير المستشفيات والبنية الأساسية،  واستمر القصف طيلة دجنبر الجاري، مؤديا إلى الدمار الحالي الذي يستنكره العالم، سيما بسبب سقوط المدنيين.

امحمد خيي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق