حوادث

سجون فاس… الأبواب المفتوحة

“الصباح” قامت بجولة في أربع ساعات اكتشفت فيها خبايا ومعاناة سجناء وأمهاتهم ومستخدمين

أربع ساعات كاملة قضتها «الصباح» في سجني رأس الماء وبوركايز ضاحية فاس، لاكتشاف فضاءين تخفي الأسوار الشامخة، أسرارهما وخبايا عنابرهما وظروف إيواء وتطبيب وتكوين المحشورين فيهما تنفيذا لعقوبات سالبة لحريتهم الثمينة، واستكشاف يومياتهم الرتيبة في زنازين موحشة بحاجة إلى مزيد من الأنسنة.

الظروف أرحم في الأول المفتوح قبل سنة، لبنيته وهيكلته، فيما يقض الاكتظاظ مضجع الثاني ضحية إفراغ عين قادوس، رغم تقاطع أهداف البنايتين في التكوين والتتبع وتوفير شروط أحسن للإيواء وظروف إعادة إدماج ممكنة لجانحين تبقى السجون بالنسبة إلى كثير منهم، أرحم من عيش ذليل بين ظهراني أسرهم.

إعداد: حميد الأبيض (فاس) – تصوير: أحمد العلوي المراني

 

خلف الأسوار سجناء ينتظرون ساعة الفرج والإفراج، يرعاهم مستخدمون يتفانون في عملهم ومحتاجون إلى جزاء واعتراف، وما بينهما أسر «تقطع» من لحمها لتوفير قفة باهظة التكاليف، لأقارب أذنبوا جنحا وجنايات، وحشروا أمهاتهم وآباءهم في دوامة من المعاناة وآلام الفراق والرحلات المكوكية بين المحكمة والسجن.

بناية معزولة

الحركة عادية أمام بناية معزولة شاسعة مترامية الأطراف، تخفي ما بداخلها أسوار شامخة تكسوها الأسلاك. عائلات متناثرة قرب موقف السيارات، وأخرى بفضاء مغطى، في انتظار انفراج الباب الحديدية الضخم، آذنة بدخولهم للقاء أقاربهم المعتقلين في زيارة خصص لها جناح خاص مجهز لاستقبال عدد محدود من الزوار.

عقارب الساعة تشير إلى الحادية عشرة صباح الجمعة. الموقع موحش بعزلته وبعده. والوصول إليه أصعب في غياب وسائل نقل كافية لتسهيله، في انتظار تمديد حافلات النقل إليه رأفة بأسر معاناتها أكبر من آلام المحشورين من أقاربها، بزنازين باردة. أمهات قطعن أميالا في ظروف أقسى، وما زلن في انتظار موعد الزيارة.

«مافيوزي» أغنية بإيقاع حماسي، صدحت بها حنجرة الفنان الشعبي عادل الميلودي، منبعثة من سيارة وافدة، على مشارف سجن رأس الماء الأول المحدث قبل أشهر قليلة على بعد نحو 20 كليومترا من فاس. إنها صدفة أرخت للحظة استعداد لاقتحام عالم تخفي الأسوار أسراره، في زيارة إعلامية أولى من نوعها في تاريخه.

كل الأمور مرتبة لدخول استكشافي لفضاء آسر لحرية جانحين محكومين بأحكام نهائية. حراس خارج البناية، يعلمون هويتي الزائرين. لكن دخولهما رهين بانفتاح الباب الضخم على فضاء موغل في غموضه، كما مسؤول بإدارة السجون، لم تستثن سيارته من التفتيش إجراء روتينيا يطول يوميا كل المستخدمين والزوار.

ولوج هذه البناية يتطلب إجراءات احترازية عبر أبواب على مسافات متقاربة، يفضي آخرها إلى ملاعب بدا في إحداها سجناء «شاخدين» يلعبون كرة القدم المصغرة بحماس كبير، بينهم سلفي حارسا ولاعب نيجيري كان مرتقبا انضمامه للوداد الرياضي، قبل اعتقاله متلبسا بحيازة كمية من المخدرات بمطار محمد الخامس.

تفتيش واستقبال

التفتيش إجراء ضروري سيما باستعمال جهاز الكشف بالسكانير، لمحتويات القفف والزوار والمستخدمين ممن خصصت لهم خزانات خاصة قرب الباب، لتخزين ملابسهم وحاجياتهم وهواتفهـــــــــــــــم الممنوع إدخالها إلى الأجنحة المصنفة حسب درجة خطورة وانضباط المحشورين في غرفها المتقاربة في طابقين، إلا لمن له حق ذلك.

يقول عبد العزيز اسبياع، مدير المؤسسة، إن الكشف بالسكانير إجراء لازم لمنع تسريب الممنوعات، مؤكدا أن بعد السجن ساهم في تراجع الزيارات وتكلفة القفة، عكس ما كان عليه الأمر بعين قادوس بمقايضة محتويات القفة سيما من السجائر وبعض المواد الغذائية، دون أن ينفي وجود مناوشات لإفشال هذه العملية.

وفي إجراء احترازي تضع العائلات مال قريبها بالمتجر مزوده بحاجياته من مختلف المواد لتلافي مقايضتها، فيما تفتح قاعة الزيارة المباشرة المؤثثة بكراس وطاولات بلاستيكية، في وجه 160 شخصا. وجهزت بأجهزة تلفاز لبث فيديوهات تحسيسية للتعريف بحقوق وواجبات السجناء وأقاربهم، عملا بفكرة مطبقة بسجون أمريكا.

وبها صندوق خاص يتحوز موظف موثوق فيه معين من المندوب العام لإدارة السجون، بمفتاحه، لإيداع النزلاء وأقاربهم، شكاياتهم ورسائلهم إلى مختلف الجهات، التي «لا تطلع الإدارة على مضمونها» يقول المصدر نفسه، مشيرا إلى انتداب لجنة من الإدارة، لمعاينته والتحقيق في الأمر في حال عدم ورود شكايات في فترة طويلة.

وتيسيرا لتواصل السجناء مع دفاعهم، خصصت 7 مكاتب مغلقة، بجانب القاعة، لذلك يدخلها الطرفان من بابين متقابلين، غير بعيد عن ناد للموظفين مجهز بلوحات تشكيلية مختلفة كلها من إبداع نزلاء وافدين على هذا السجن من بوركايز، وينتظر أن يشرع قريبا في تقديم وجبات خفيفة لمستخدمي هذه المؤسسة.

تصنيف النزلاء

يصنف نزلاء سجن رأس الماء كما جاره ببوركايز/ الزليلك، إلى 3 مجموعات توزع على أجنحته، ما استحبه أقاربهم الذين وفرت لهم قاعة انتظار مجهزة قبالة الباب الرئيسي الخارجي، أولها «أ» تضم العناصر الخطرة وأصحاب حالات العود والمحكومين في قضايا التهريب الدولي للمخدرات، ويخضعون إلى نظام حراسة مشددة.

وتبدو معاملة عناصر المجموعة «ب» المتوسطة الخطورة، بطريقة أخف، فيما يضم الصنف «ج» أصحاب عقوبات مخففة، ممن يختارون بناء على تنقيط يمكن مراجعته كل 4 أشهر وإعادة التصنيف بناء على حسن السلوك والانضباط الذي يمكن من الانتقال من مجموعة إلى أخرى، في ظل وجود فرق في التعامل القانوني.

نساء بوركايز

بعد انتهاء المهمة برأس الماء، جاء الدور على بوركايز المحاط بسياج طويل على مسافة بعيدة عن أســـــــــــــواره الشامخة. تصوير بوابته حرك دركيا مستفسرا، قبل تجاوز الأمر وانفتاح بابه الرئيسي إيذانا بدخول فضاء بأبواب وجدران أقل، مفضي مباشرة إلى ساحة لزائرها ذكرى فطور جماعي مع السجناء، في ذات رمضان مضى.

جناح النساء أول فضاء برمج في الزيارة. به 58 نزيلة تؤويهن 9 غرف بمعدل ما بين 7 نساء و9 في كل غرفة، 25 منهن محكومات بموجب قرارات نهائية تنتظرن إنهاء مدتها، و16 سجينات احتياطيا إحداهن قاصر، و14 أخريات في انتظار أحكام استئنافية، اثنتان منهن يقل عمرهما عن 18 سنة، و3 ينتظرن نقض أحكامهن.

حركة من موظفة واحدة من 32 مشرفات على الجناح، كانت كافية لوقوفهن انضباطا في تحية شبه عسكرية. وبدت القاصرات الست متوجسات، عكس باقي السجينات المحشورات بزنازين، فيما بدت قاصرة مرفقة برضيعتها، وحيدة على هذه الحالة، بعد يوم من مغادرة زميلتها توبعت في ملف احتجاز مسؤول «البام».

بالجناح وفرت غرفة خاصة للصغار، مجهزة باللعب تيسيرا لراحة أطفال لا ذنب لهم في ما ارتكبته أمهاتهم، كما تجهيز الغرف بأجهزة التلفاز في إطار تلفزة الأحياء، موازاة مع الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني لحل مشاكلهن وإدماجهن وتذويب خلافاتهن البسيطة في ما بينهن، وإتاحة الفرصة لبعضهن لتفجير مواهبهن.

وتحدثت إلهام الحبشي، مرافقة اجتماعية لهذا الحي، عن حرص كبير على معالجة السلوك الانحرافي لديهن، والوساطة في حل نزاعاتهن وتشجيعهن على الإبداع والمشاركة في مختلف الأنشطة المنظمة، وتكوينهن مهنيا سيما في الزربية والخياطة بمعمل حرفي عند مدخله، في طور التجهيز، في إطار برنامج «بنود» للأمم المتحدة.

أحداث بوركايز

بدا نزلاء جناح الأحداث ببوركايز، الذي يضم 336 نزيلا 13 منهم تقل أعمارهم عن 16 سنة، 7 منهم محكومون بأحكام مختلفة، و146 منهم تتراوح أعمارهم بين 16 سنة و18 ، 33 منهم احتياطيون، (بدوا) أقل انضباطا مقارنة مع السجينات، ما اضطر مرافقة إلى رفع صوتها أكثر، للتخفيف من حدة ضجيج أحدثوه.

وحسب إدارة السجن، فهذه الفئة تحظى باهتمام خاص وتستهدف بعدة برامج بما فيها التكوين في ثلاثة مكاتب بمصلحة العمل الاجتماعي، أولها للتعليم والتكوين للذين لهم رغبة في تعلم حرفة، في برنامج استهدف تعليم 160 حدثا في شعب الزليج والبلدي والنجارة الخشبية والجلد والحلاقة والنقش على الجبس والمعلوميات.

ويستفيد 63 حدثا المودعون بأجنحة التوبة والصداقة والإخاء والتعاون، من برنامج محو الأمية، فيما تشرف اختصاصيتان نفسيتان ومرافقة اجتماعية على مواكبتهم نفسيا واجتماعيا وحل مشاكلهم الإدارية والقضائية والصحية، بينما يسطر مكتب الأنشطة الثقافية والرياضية والفنية، برامج سنوية بعضها بتنسيق مع جمعيات.

ولعل أهــــــــــــم برنامج موجه للأحــــــــــــــــــداث والسجينــــات، حسب مديـــــــــر السجـــــــــــــــــــــن، مشـــــــــــــــــــروع «التثقيـــــف بالنظير» لمحاربة الفكر المتطرف، يعتبر الأول من نوعه، وتنجزه إدارة السجون بتنسيق مع رابطة علماء المغرب وشركاء آخرين، مشيرا إلى استفادة 50 شخصا بينهم 10 أحداث و20 امرأة، في أفق تعميمه لأهميته داخل الفضاء السجني.

وروعي في الاختيار مستواهم الثقافي وفصاحة لسانهم وسلوكهم المتوازن، وانضباطهم وقدرتهم على التواصل وأن يكون الحدث قدوة وذا شخصية قيادية، بتأطير من موظفين استفادوا من تكوين في دورتين، بينهم المدير والمشرف الاجتماعي ومرافقة اجتماعية ورئيسة الحي النسائي، في برنامج شمل 6 سجون بينها بوركايز.

زيارة مفاجئة

بدت 6 أجنحة بهذا السجن الممتد على 5120 مترا مربعا، بطابقيها المطلين على فضاء أرحب للفسحة المقيدة بشروط ووفق أجندة محددة بمعدل ساعة زمن صباحا وأخرى مساء متاحة لأفواج منتقين بدقة، (بدت) هادئة ذاك الزوال تزامنا مع زيارة «الصباح» قبل يوم واحد من الاحتفال باليوم العالمي لحقوق الإنسان.

كل جناح مكون من 60 غرفة، وبينها 10 مخادع هاتفية موزعة بالتساوي بين طابقيه، بما مجموعه 308 غرف منها 144 غرفة مكونة من 10 أسرة، و16 غرفة من 6 أسرة، وعدد مماثل من الغرف الحاوية لسريرين فقط، و112 غرفة مكونة من 4 أسرة، تضاف إليها 18 غرفة بالمصحة 14 منها انفرادية، وغرفتين في المطبخ.

كل السجناء مستلذين بخلوتهم أو منهمكين في أحاديث ثنائية بزنازينهم المؤثثة لأجنحة مجهزة بحمام ومطبخ صغير في كل طابق لتسخين وجباتهم الغذائية، قبل أن يعكر صفو جلساتهم قدوم الوفد، ما تحينوه فرصة ملائمة للتشكي أو طلب حاجيات بما فيها جهاز تلفاز تكسر، بالغرفة 4 واحدة من غرف مجهزة بأجهزة تلفاز.

محكوم في قضية قتل، يوشك على إنهاء عقوبته، وقف احتراما للوافدين كما كل زملائه في باقي الزنازين، فيما طالب سجناء عابرون في اتجاهي الشرق والجنوب، التعجيل بترحيلهم، كما نزيل بالغرفة 5 التمس طريقة ناجعة لاستفادته من جهاز طبي قيمته 30 مليونا، بإحضاره تحت مسؤوليته، أو نقله إلى المستشفى.

حوارات فتحها مسؤولو إدارة السجون، مع نزيل بالغرفة 3 استفسر عن المتبقي من مدخراته المالية بعد نقله إلى هذا السجن من مكناس، فيما استهوى آخرين أخذ صور للنشر مع مدير السجن والمندوب الجهوي، ولم يحرجهم كشف وجوههم، عكس موظف أغضبته محاولة تصويره بصدد القيام بواجبه المهني.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق