مقالات الرأي

أزراج عمر: الجزائر.. صراع النظام ورجال الأعمال

كيف نفهم حقيقة الصراع الدائر حاليا بين علي حدّاد، رئيس منتدى رؤساء المؤسسات، المعروف بأنه مدعوم من طرف مجموعة من الجنرالات الأقوياء فضلا عن دعم سعيد بوتفليقة أخي رئيس الدولة ومستشاره، وبين عناصر من الطاقم الحكومي المتمثل في عدد من الوزراء وفي مقدمتهم الوزير الأول عبدالمالك سلال ووزير الطاقة والمناجم عبدالسلام بوشوارب وغيرهما؟

ولماذا توجه الخناجر الآن إلى رقبة علي حدّاد الذي اخترعه النظام الحاكم في الجزائر من العدم علما أنه لم يكن في الماضي القريب سوى مقاول صغير بمحافظة تيزي وزو حيث لم يكن رأسماله يتعدّى بعض الملايين من الدينارات والقروض البسيطة التي كان يقدمها له أصدقاؤه وبعض البنوك المجهرية الجهوية لتنفيذ بناء عمارات شعبية قليلة بالمنطقة المذكورة سابقا؟

ثم هل يعقل أن يخرج هذا الرجل المخترَع اختراعا، والذي ليس له أي شعبية اجتماعية أو تأثير سياسي أو ماض تاريخي يعطي له ما يسمى في الأدبيات السياسية الجزائرية التقليدية بالشرعية الثورية في المنطقة الأمازيغية أو لدى الحركة الأمازيغية الداعية إلى الحكم الذاتي لمنطقة الأمازيغ (البربر) عن الخط المرسوم له من قبل النظام الحاكم، وعن وصاية رئيس الدولة وأخيه المتنفَذ سعيد بوتفليقة.

 

علما أن علي حدّاد قد لعب دورا، بعد اكتنازه للمال بفضل النظام الحاكم، في دعم العهدة الرابعة إعلاميا من خلال جرائده وفضائيته، أما ماليا فقد ساهم بما يقرب من 60 مليار دينار جزائري لصالح حملة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة الانتخابية ونال جراء ذلك مكافأة مثلثة الأضلاع، تتمثل أولا في منحه مشاريع استثمارية قدرت بمبالغ خيالية، وأصغرها كان مشروع الطريق السيارة بمنطقة القبائل الكبرى الذي قدّر غلافه المالي بمبلغ 300 مليار دينار جزائري، وفي ترسيمه ثانيا على رأس منتدى رؤساء المؤسسات، وكذلك مساعدته ثالثا، على شراء أحد أكبر نوادي كرة القدم وهو اتحاد العاصمة، فضلا عن فسح المجال له ليسيطر على جزء أساسي من المشهد الإعلامي في الجزائر من خلال السماح له بامتلاك صحف يومية باللغة العربية والفرنسية، ومجمع تلفزيوني ذي طابع وطني ودولي يبث من خارج الجزائر وداخلها؟

إذا أخذنا هذه المعطيات بعين الاعتبار فإنه ينبغي لنا أيضا قراءة السجل الخاص لهذا الرجل المتمثل في كونه يملك الآن المليارات من الدولارات كما يتمتع بعلاقات مع عرّابه سعيد بوتفليقة، ومع الجنرالات الذين وفروا له الحماية مثل الجنرال محمد تواتي قائد جهاز الدرك الوطني ورئيس قيادة الناحية العسكرية الثالثة ومستشار بوتفليقة برئاسة الجمهورية سابقا، والجنرال عبدالقادر خرفي المدير السابق لجهاز مكافحة الإرهاب، وغيرهما من الضباط الكبار الذين لا يزالون مؤثرين ويتمتعون بالنفوذ، رغم تقاعد بعضهم وإبعاد بعضهم الآخر من مناصبهم الأمنية والعسكرية.

 

الملفت للنظر في هذا الصراع أنه قد نشب فجأة بعد عودة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة من رحلته العلاجية الأخيرة بفرنسا، التي وصفت بأنها ناجحة حيث أكدت مصادر مطلعة لها عيون وآذان داخل وخارج القصر الرئاسي أن الرئيس قد مشى، بعد نزوله من الطائرة، على رجليه فعلا من دون الاستعانة بالكرسي المتحرك الذي لازمه لمدة طويلة ومنذ تعرضه للمرض، وقد تمّ ذلك بعيدا عن عيون وسائل الإعلام الوطنية التابعة للدولة أو للقطاع الخاص.

في مناخ هذا الصراع بين علي حدّاد وبين الوزير الأول عبدالمالك سلال بشكل خاص يلاحظ أن أحزاب المعارضة الجزائرية ومعها تنظيمات وجمعيات المجتمع المدني المختلفة لم تكترث جميعا بهذه المناوشات التي تحدث في عقر دار السلطة ووكلائها، ما عدا التصريح اليتيم الذي أدلى به علي بن فليس، زعيم حزب طلائع الأحرار، لوسائل الإعلام الجزائرية حيث وصف فيه انسحاب الوزير الأول عبدالمالك سلال من اختتام أشغال المنتدى الإفريقي للاستثمار والأعمال الذي أشرف عليه علي حدّاد نفسه “بالعار والدليل الواضح على غياب الجدية والانضباط والصرامة في التكفل بشؤون الدولة”.

 

في هذا السياق يرى المحللون السياسيون أنه من المستبعد أن يكون هذا الانسحاب من قبل الوزير الأول نتاجا لبعد واحد حاول البعض إيعازه إلى الأخطاء التقنية المرتكبة من طرف علي حدّاد في تنظيم وتنفيذ أشغال المنتدى الأفريقي للاستثمار والأعمال الذي انعقد مؤخرا في الجزائر، خاصة وأن علي حدّاد هو رئيس منتدى رؤساء المؤسسات الذي يعدّ أكبر تجمع اقتصادي في الجزائر ويتحكم في الاستثمارات على المستوى الوطني وعلى المستوى الدولي معا.

لا شك أن هذا الصراع المحتدم لا يمكن اختزاله في مجرد الإخلال بالمسائل التنظيمية أو في صرف الأموال الطائلة على أشغال المنتدى الأفريقي الجزائري للاستثمار والأعمال، بل هناك خلفيات أخرى معقدة وراء التطورات التي بدأت تتخذها الأمور الآن، وهي في الغالب ذات علاقة جوهرية باستراتيجيات تحضير الانتخابات التشريعية والتمهيد للانتخابات الرئاسية ومسائل أخرى حساسة.

إن تداعيات هذا الصراع، التي بدأت تأخذ طريقها إلى التطبيق العلني والمتلخصة بداية في إقالة الرئيس بوتفليقة للسيد عمار بن جامع سفير الجزائر لدى باريس وإحالته على التقاعد بتهمة منحه تأشيرات الدخول إلى الجزائر لشخصيات مشبوهة للمشاركة في اجتماع المنتدى الأفريقي للاستثمار والأعمال، لا يمكن فهمها سوى أنها محاولة لتغطية غابة بشجرة واحدة.

وأكثر من ذلك فإن تلويح الوزير الأول عبدالمالك سلال بإجراء التحقيق في شأن المصاريف الضخمة التي صرفت بمناسبة انعقاد ندوة المنتدى الأفريقي للاستثمار والأعمال في الجزائر سوى أنه نمط من أنماط الإزاحة النفسية التي يمارسها النظام الجزائري الحاكم للتعويض عن الفشل في بناء وإدارة علاقات اقتصادية وثقافية وأمنية وإعلامية وتربوية جدية مع القارة الأفريقية منذ وفاة الرئيس الراحل هواري بومدين إلى اليوم.

وفي الواقع فإن الساحة السياسية الجزائرية قد سبق لها أن شاهدت من قبل معركة التنافس على المواقع للسيطرة على الإعلام والنفوذ المالي واحتكار الصادرات والواردات بين رجل الأعمال الأمازيغي الملياردير يسعد ربراب من جهة، وبين القصر الرئاسي والحكومة من جهة أخرى، ولكن تلك المعركة أخذت مدى أبعد أثناء التحضير للعهدة الرابعة وبعد إعادة انتخاب الرئيس بوتفليقة للمرة الرابعة بأشهر قليلة، ويعود ذلك أساسا إلى عاملين اثنين وهما رفض يسعد ربراب للعهدة الرابعة بصراحة ورفضه المساهمة في تمويل جزء من الحملة الانتخابية للرئيس بوتفليقة، وجرّاء كل ذلك شنت ضدّه حملة إعلامية شرسة مبرمجة من طرف خصومه سرعان ما توّجت بإجهاض مشروعه المتمثل في محاولته لشراء مجمع مؤسسة الخبر الإعلامية. ولكن الوضع مع علي حدّاد مختلف جذريا حيث أنه يعتبر إلى وقت قريب جدا أحد أبرز أعضاء المجموعة الموالية للرئيس بوتفليقة وعائلته وللجنرالات الذين لهم نفوذ قوي في الجزائر.

وعلى ضوء هذا فإن ما يحدث الآن مع علي حدّاد له بعد آخر يضاف إلى الأبعاد المذكورة آنفا، ويمكن تلخيصه بسرعة إما في الاستغناء عن خدمات النظام الذي اخترعه، وإما في اكتشاف دوائر صنع القرار السياسي في القصر الرئاسي والأجهزة الأمنية الموالية للرئيس بوتفليقة لتحركات يقوم بها من خلف الستار مع بعض الجنرالات المبعدين عن السلطة والذين تربطه بهم علاقات تقاسم المصالح المالية الضخمة، وربما التخطيط السري لمواجهة طموحات جماعة الرئيس في التجديد له ليرأس البلاد لعهدة خامسة.

عن العرب الدولية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق