fbpx
بانوراما

تطوع لاسترجاع جثة عريف مغربي

المغاربة في أوراق أول رئيس جزائري

مات أحمد بن بلة، أول رئيس جزائري بعد الاستقلال، في 11 أبريل 2012، وفي حلقه غصة حكي لم يكتمل عن تاريخ ووقائع وأحداث كان صانعها وشاهدها و”شهيدها” على مدى 70 سنة. رحل وطويت معه حقائق تجنب الحديث عنها طيلة حياته، منها علاقته المتفردة والخالصة بالشعب المغربي وملكيه الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني.
في مذكراته وأوراقه وحواراته الصحافية وكتاباته وبوحه، ظل للمغاربة حضور قوي في سيرة حكيم الجزائر، وحرص على سرد علاقاته الوطيدة به منذ صغره، إذ تربى في كنف أسرة هاجرت من مراكش واستقرت في قرية تابعة لمغنية، القريبة من الحدود المغربية، وصادف أن خاض أول حرب حقيقية له إلى جانب جنود مغاربة قاسمهم الخبز والدموع في جبال نابولي، وحين انتهت “حملة إيطاليا” لم يعد إلى الجزائر، بل عاد إلى وجدة، حيث استقر لشهور.
إعداد: يوسف الساكت

نزل الفيلق المغربي الخامس، الذي كان يقود بن بلة فرقة منه، بنابولي بإيطاليا في دجنبر 1943، وكانت تحية هذا النزول هجوما من أسراب طائرات شتوكا الألمانية، من حسن الحظ أن القصف كان في بداية الليل ولم تكن الرؤية واضحة للطيارين، وبالتالي لم يصب الجنود المغاربة بأي أذى.
في اليوم التالي، عسكر الفيلق الخامس في الجبل، وقد صادف ذلك عيد الأضحى، وكان لا بد من إيجاد كبش أو ذبيحة في هذا الخلاء المقفر في فصل الشتاء. وبعد جهد، عثر أفراد من الفيلق على خروف إيطالي، ذبحوه وسلخوه، وبدؤوا يشوون قطعا منه، لكن خيبتهم كانت كبيرة لأن الكبش الإيطالي كان سمينا جدا، ما جعله دون نكهة. وما تذقوا بعضا منه، حتى جاء الأمر بطي الخيام ومواصلة المسير.
يحكي بن بلة أن الفيلق أخذ مواقفه أمام جيل أو مونتانو باللغة الإيطالية، قرب معسكر وحدة عسكرية أمريكية أحست بالاطمئنان، حين رأت مقدم الجنود المغاربة، لأن الألمان الذين يختبئون في مرتفعات الجبال أذاقوا أفرادها أياما عصيبة ومعنوياتهم أخفض ما تكون.
و”مازلت أذكر، يقول بن بلة، أن صحافة الحلفاء كانت تزعم حينئذ وبأسلوب المنتصر بأن الجيش الخامس يتقدم بمعدل خمسة كيلومترات يوميا نحو الشمال. وللأسف كان ذلك غير صحيح، فالفيلق الخامس منذ 75 عاما وهو ثابت في مكانه، لأن دهاقنة المهندسين العسكريين الألمان كانوا يحتلون مشارف الجبل من أربع واجهات، وتخلوا عن المدخل الخامس بحيلة، لأنهم كانوا يعرفون، بتكتيك عسكري، أي مشاكل تموين سيطرحها علينا هذا الاحتلال”.
وفعلا، ولكي يبلغ الجنود المغاربة المرتفع الصخري الذي ينتصب شرسا على ارتفاع 1500 متر، كان لا بد من استخدام حبال طويلة، وبهذه الوسيلة البدائية كان الفيلق يرفع العتاد والمؤن إلى القمة التي تكسوها الثلوج وسط رياح برد قارسة. وتبدو من الأعلى، وبالضبط في المنطقة المحرمة القتال، الجثث المتناثرة المجمدة بالجليد.
في اليوم الأول، لم يغمض للجنود جفن. كان الألمان يتلصصون في الظلام حولهم، وكانت دورياتهم في كل مكان حتى المنطقة المحرمة القتال، وكان يرمونهم بالقذائف اليدوية ويستدرجونهم ويلعبون على أعصابهم، وفهم بن بلة أنهم كانوا يعتقدون أنهم مازالوا يواجهون جنودا أمريكيين، وبدا ذلك من الشتائم التي كان الألمان يرسلونها بلغة  إنجليزية متقطعة.
عكس ذلك، كان الجنود الأمريكيون يتجنبون الدوريات، ولم يخبروا قيادة الفيلق الأمريكي بمكان وجود المركز الأمامي للعدو، وشيئا فشيئا تركوا الألمان يطوقونهم بدوريات متواصلة ويمطرونهم بالشتائم والقذائف اليدوية.
وأدركت قيادة الفيلق المغربي الخامس بأن عليها أن تتحرك والقياد بدوريات، رغم أن ذلك لم يكن سهلا، لأن الألمان اغتنموا سلبية الأمريكيين ليزرعوا المنطقة المحرمة بالألغام. ومنذ الخرجة الأولى، قتل عريف مغربي على بعد 31 مترا من المجموعة، ومن ملجئهم المستهدف، كان الجنود المغاربة يستطيعون أن يروا جثته الممددة، دون أن يحركوا ساكنا من أجل إعادتها ودفنها، ما حز كثيرا في نفوسهم، وأحسوا بحرج نفسي غائر.
في هذه اللحظة، قرر بن بلة أن يتطوع للخروج لإحضار الجثة، احتراما لزملائه الجنود وحفاظا على معنوياتهم. طلبت ثلاثة متطوعين، وذهبت أنا نفسي معهم لاسترجاع جثة العريف، إذ قضينا ساعتين في اجتياز الثلاثين مترا التي تفصلنا عليها”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى