fbpx
ملف الصباح

بني ملال تلبس الأسود

أسر مفقودي قارب الموت بإيطاليا تطالب بالكشف عن مصير أبنائها

لم تلتئم بعد الجراح النفسية لأسر ضحايا مركب الموت الذي غرق أخيرا في سواحل الشواطئ الإيطالية،

وكان على متنه ما يقارب 650 من الضحايا، يمثلون جنسيات متعددة، ومن بينها المغرب، الذين فضل بعض أبنائه الهجرة عبر قوارب الموت، لتحقيق حلم تحول إلى كابوس.

 

أمهات ينتظرن الفرج الذي يتوارى يوما بعد يوم، بعد أن تبين أن عدم الخوض في ملف المفقودين أهون من الكشف عن مصير غرقى العبارة التي ابتلعها الماء، وغارت في أعماق البحر، وفي جوفها العشرات من الضحايا  لم يتمكنوا من النجاة بعد أن أدركهم الماء، علما أن الناجين منهم كانوا على السطح وأنقذتهم شرطة خفر السواحل الإيطالية من موت محقق بتوفيرها وسائل النجاة والإسعاف للضحايا، لكنها لم تكن كافية لإسعاف آخرين انضافوا إلى أعداد الغرقى لعدم إتقانهم فن السباحة.
حي بوعشوش ببني ملال يتشح بالسواد، منذ علمت مجموعة من الأسر غرق القارب الذي كان على متنه العشرات من أبناء المنطقة، فضلا عن مناطق أخرى (السراغنة، ابن أحمد، البروج) كانوا يمنون أنفسهم بالهجرة وركوب المخاطر، لعلهم يطفئون نيرانا تلهب أفئدتهم بعد ضياع أملهم في العثور على عمل في بلدهم، يضمن لهم كرامتهم وإنسانيتهم.

خيم عزاء

نحيب صامت تفضحه حناجر الأمهات المكلومات. مظاهر العزاء برزت بنصب خيم تجتمع فيها أسر الضحايا المفترضين، لعل الشعور بالمؤانسة وتبادل عبارات العزاء في غياب أخبار رسمية تؤكد حقيقة ما وقع يخفف بعض المعاناة ما أضفى على حي بوعشوش مسحة من الألم والحزن الذي تفضحه أسارير وجوه الأمهات الحزينات منذ علمهن بخبر الفاجعة.
تقول أم مكلومة وآثار الحزن العميق بادية على تقاسيم وجهها النحيل “أولادنا داهم لبحر وحتى واحد مابغا يهضر”، مضيفة أنها تموت ببطء رفقة عائلتها لأن الألم يعتصر قلبها منــذ علمت بالفاجعة، وزاد من معاناتها انقطــاع أخبار ابنها ودون أن تتمكن من تحديد مصيره.
لا تختلف حالات أمهات أخريات يقطن في حي بياض الصمعة بوعشوش ببني ملال عن حالة الأم المكلومة السابقة، إذ نظمت العديد منهن إلى جانب أقارب الغرقى بالسواحل الإيطالية، وبمشاركة جمعيات حقوقية، مسيرة احتجاجية جابت شوارع بني ملال، تعبيرا منهن على غضبهن على الطريقة التي يدبر بها ملف غرقى القارب الذي أصبح كرة ثلج يزداد حجمها كل يوم، سيما بعد أن تداولته قنوات أجنبية عالمية بشكل موسع وتطرقت إلى المأساة الإنسانية التي وقعت في عرض السواحل الإيطالية وأمام أعين شرطة خفر السواحل التي صورت عناصرها المأساة الأخيرة بعد أن عجزت عن إنقاذ كافة الضحايا الذين ابتلعهم الماء بعد انقلاب المركب الذي كان يقلهم.

احتجاجات قائمة

توقف المحتجون الذين كان أغلبهم من شباب المدينة وأسر المفقودين، أمام دار المغاربة المقيمين بالخارج، التابعة لوزارة الخارجية ببني ملال، ورفعوا شعارات للمطالبة بضرورة التدخل العاجل للمسؤولين من أجل كشف مصير أبنائهم.
ورفع المحتجون والمحتجات الغاضبون، المؤازرون بالجمعية الحقوقية “الائتلاف والكرامة”، شعارات تندد بصمت المسؤولين، رغم نداءات الآباء والأمهات لكشف مصير أبنائهم أمام تضارب الآراء والأخبار الواردة من الضفة الأخرى، سيما أن أصدقاء  المفقودين ومعارفهم لا يعلمون شيئا عن مصيرهم، ما حول حياة أسرهم إلى جحيم، ما عبرت عنه إحدى الأمهات المكلومات بحرقة “بغينا ولادنا حيين أو ميتين”.
وتنتظر الأسر المكلومة بفارغ الصبر أن تتدخل جهات رسمية على الأقل لربط الاتصال بالمصالح الخارجية الممثلة للحكومة لمناقشة الملف مع الحكومة الإيطالية، ومعرفة مصير العديد من الشباب الذين يعتقد أنهم في عداد المفقودين، بعد أن انقطعت أخبارهم، ما زاد من حرقة الآباء والأمهات الذين ينتظرون أمل العودة وسماع أخبار أبنائهم، علما أن جهات رسمية بإيطاليا أقامت تأبينا رمزيا لغرقى “العبارة”، تعبيرا منها عن حزنها وألمها لهذه الكارثة الإنسانية.
بصوت حزين ممزوج بالنواح والعويل وعينين تفيضان بالدمع، ويدين تمسكان بصورة شاب في عقده الثاني، تحدث عبد الرحمان رشيد عن ولده الذي اعتبره في عداد المفقودين بعد أن أكد له أحد أصدقائه حادث غرقه” ابني يوسف لم يستشر معي عندما قرر السفر إلى ليبيا، كنت أتواصل معه يوميا عندما كان مع مجموعة رفاقه في ليبيا، وكنت ألح عليه بألا يغامر ويركب قارب الموت، بل وعدته بأن أوفر له المال لكي يعود سالما، مشيرا إلى أنه عانى جراء غيابه أملا في أن يقنعه بالعودة إلى بني ملال لكن دون جدوى”.
 وأضاف وهو يعانق صورة ابنه يوسف المفقود ويبكي بحرقة “لم يفعل ابني ما يعكر صفو حياتي لأنه لا يعصى أوامري، كان  يشتغل في تثبيت الزليج، ويوفر من عمله الشريف مبلغا محترما كان يؤمن حاجياته ومتطلباته، وكنت أدعو له بالرضا والعودة السليمة إلى منزله الذي افتقده. صرنا نعيش في حداد يومي بعد أن انقطعت أخباره عنا”.
وبصعــوبة تحدثت شيماء زديـدو، شقيقة المفقود نبيل 24 سنة، تتحدر من حي بوعشوش ببني ملال، والدموع تنسكب من عينيها، قائلة “أخي  كان يعيش مرتاح البال، ولم يكن ينقصه أي شيء، لكن أصدقاءه في أوربا كانوا سببا في معاناته، لأنهم يرسلون له عبر فيسبوك، صورا يظهرون فيها أنهم سعداء ويعيشون أوضاعا مريحة، بعدها صار أخي قلقا ويفكر يوميا في الهجرة بعد أن أثر عليه أصدقاؤه”.

سعيد فالق (بني ملال)

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى