fbpx
ملف الصباح

“جلابة النمر” تنتعش بشارع محمد الخامس

الترامواي قطع جزءا من أرزاق المومسات لكنهن مازلن يكابدن لتوفير الفرح لزبناء أوفياء

الهدوء الذي أعقب أذان المغرب بشارع محمد الخامس وممراته وأزقته المجاورة لم يدم طويلا، إذ سرعان ما لفظت بعض المقاهي التي تقدم وجبات إفطار رخيصة، زبناءها إلى “السطح”/تيراس، للاستمتاع بأول مجة من سيجارة شقراء تبدو مثل عروس في ليلتها الأولى، ومعها فنجان قهوة سوداء.
الحركة  تعود رويدا إلى أكبر شوارع الدار البيضاء الذي اقتطعت خطوط الترامواي وأعمدة الكهرباء العملاقة شريانه نصفين، لكن مازال يحتفظ بحيويته ونشاطه وأركانه المظلمة التي تشع في ليالي رمضان بعدد من المومسات، الشهيرات أغلبهن بجلاليب “النمر”، اللواتي يأخذن أماكنهن بزاويا مقاه ومحلات معينة، أو يفضلن التجول بعدد من الأزقة، بحثا عن “طريدة” غير مباليات بعيون تكاد تفترسهن، شبقا، أو كرها.
مومسات شارع محمد الخامس يشتكين منذ أربع سنوات، حالة الكساد التي تسبب فيها قطع الشارع بخط الترامواي، ويقلن إن السكك الحديدية منعت دخول سيارات وشاحنات كان أصحابها زبائن أوفياء لهن خلال رمضان.
بالنسبــة إلى “سعاد”، اسم مستعار طبعا، الأمر مختلف تماما ولا تكتــرث كثيرا لكــلام من هذا القبيل، فـ”العمــل والشغــل” بالليل مهنــة تمارسها في كل الأوقات لا فرق لديها بين رمضان، أو شعبان، أو عيــد الأضحى، أو “راس العــام”.. بالنسبـــة إليها كل الأوقــات وجميع الأماكن منـــاسبـــة لمهنـــة تمارسها مرغمـــة بعد أن سدت كل الطــرق في وجهها الذي فقـــد الكثير من ملامحه بعد أن حولته إلــى مختبر صغيـــر لتجريب أنواع المساحيق الرخيصة.
الحركة والانتباه مطلوبان إلى أقسى الحدود بالنسبة إلى “سعاد” لتفادي مقلب من مقالب الزبناء أو تجنب حالة تلبس في وضع مخل للآداب في الشارع العام تقودها إلى أحد مخافر الشرطة القريبة..لا مجال للخطأ الذي قد يكلفها ليلة كاملة لا تجني من ورائها غير البهدلة و”التصرفيق” في سيارات الأمن المهترئة، وفي أحسن الأحوال صرف أجرة يوم بكامله تهبها “رشوة” من أجل إطلاق سراحها.
 لباس مميز عبارة عن عباية خليجية سوداء شفافة تظهر منها سترة بيضاء وسروال جينز كشف عن خيوط تبان أسود. تسريحة الشعر زادتها كثرة الأصباغ الصفراء فقاعة..لسبب ما، تفضل عاهرات شارع محمد الخامس وأزقته الخلفية طلاء شعورهن بــ”الأوكسجين” وارتداء جلابيب أو عباءات ضيقة ترسم من تحتها تضاريس أجساد ثخينة، لكن أحد العارفين بخبايا ليل شارع محمد الخامس يقول إن مثل هذه الملابس تتحول إلى “ماركات مسجلة” وعلامات طريق مميزة لا تخطئها العين، ويضيف أن عاهرات هذا الشارع لهن قدرة على استقطاب زبناء من نوع خاص ينتمون إلى فئة الرجال الذين تستهويهم، في المرأة كثرة “اللحم والشحم”، لذلك تعمد نساء شارع محمد الخامس إلى تجريب كل الوسائل لإذكاء هذه الرغبة  من أجل حشد أكبر عدد من الزبناء ومنافسة شوارع أخرى بخصوصات أخرى مثل شارع أنفا وشارع مولاي يوسف وشارع المسيرة الخضراء وشوارع عين الــــــذئاب.
خلف كل مومس حكاية تخطف الدموع من المقل، وحكايات عاهرات شارع محمد الخامس بالدار البيضاء وأزقته الخلفية العطنة أثقل من الهم على القلب، منها قصة “سعاد” التي لخصتها في جملة واحدة “قلة لعقل أوصافي” دون أن تنبس ببنت شفة، ربما لأن الوقت ليس وقت كلام، بل وقت عمل ولم تخرج للحديث الخاوي، بل لالتقاط بعض الدراهم على حد السيف.
نساء من مختلف الأعمار يرفعن من نسبة “المشاركة” في الشارع العام، أو ما تسميه دوريات الأمن الإخلال بالحياء العام وتقبض، مقابل غض الطرف عنه، إتاوات يومية، نساء يمحقهن البؤس والحاجة والتعاسة يمنحن “الفرح” في ليالي شهر رمضان للعابرين والمدوخين بالمعجون والقرقوبي والشيشة والحشيش وسطور الكوكايين الرخيص، يختلفن في حكاية التفاصيل عن ركوب مهنة أقرب إلى القذارة، لكنهن يشتركن في حرق جميع المراكب إلى حياة كريمة، ولم يعد لهن غير “منفذ” واحد لكسب رمق عيش.
اختفت “سعاد” من الركن نفسه من شارع محمد الخامس، لم يعد لها وجود، ربما حملتها دورية أمن، لكن الأرجح أنها وجدت زبونا من هؤلاء الذين تطلق عليهم العاهرات “أولاد الناس”، تختفي وتظهر كثعلب في غابة موحشة اسمها الـحياة.
ي.س

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى