fbpx
ملف الصباح

الحمـوشي… حـارس المعبـد

مسار عميد استثنائي في الحرب على الإرهاب

عندما عادت فرانسيس تاونسيند، مستشارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش لشؤون الأمن الداخلي، من جولة في دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط، صيف 2007، لم تتذكر وهي تدخل مكتب الرئيس، غير كلمات عميد مغربي شاب تجرأ على تصحيح المقاربة العسكرية في الحرب على الإرهاب، مقترحا استعمال السلاح الإيديولوجي في التعامل مع الجماعات المتطرفة، وذلك في عز مواجهة بين البيت الأبيض والبنتاغون المتهم حينها بتقديم معلومات خاطئة بخصوص الحرب في العراق.
لم يكن ذلك الشاب، الذي تجاوز عقده الثالث بأشهر قليلة، غير عبد اللطيف الحموشي، مدير مراقبة التراب الوطني، الذي أجمع الزملاء في هيأة التحرير أنه سهل مأمورية اختيار رجل السنة، التي نودعها، على اعتبار أن الرجل تصدر التصنيف السنوي من حيث عناوين الصفحة الأولى لـ»الصباح»، خاصة بعد تعيينه منتصف ماي الماضي مديرا عاما للأمن، ليصبح أول مسؤول أمني يجمع الشرطة والمخابرات تحت إمرته.  ما لم تكن تعلمه تاونسيند أن أشياء كثيرة تجمعها بالمسؤول المغربي، الذي نبهها إلى نجاعة ضرب الإرهاب بسلاحه، ذلك أن مساره المهني لا يختلف عن رحلتها من حرس السواحل الأمريكي إلى البيت الأبيض، فقد كانت مساعدة قائد الاستخبارات البحرية، قبل أن تمر من مختلف المناصب العليا بوزارة العدل على مدى ثلاثة عشر عاما، كان آخرها مستشارة المدعي العام لشؤون الاستخبارات، وبالطريقة نفسها لم يتطلب الأمر من الحموشي إلا 12 سنة لينتقل من عميد  شرطة تخرج  في 1993، إلى المشرف الأول عن المخابرات المدنية في 2005.

احترافية باعتراف دولي

أتم الحموشي، قبل أسبوعين، عشر سنوات على تنصيبه مديرا لمراقبة التراب الوطني، وهو رقم آخر يضاف إلى سجله باعتباره المسؤول الذي قضى أطول مدة على رأس أكثر الأجهزة الأمنية حساسية، أكثر من ذلك فقد أضاف إلى سجل مهامه، ستة أشهر قبل انقضاء عقد المواجهة الصريحة مع الإرهاب، الإشراف على الأمن الوطني، على وقع إشادات وطنية ودولية بإنجازاته تجاوزت الحدود، منذ 2011 عندما أصبح أول رجل مخابرات يوشحه الملك، الذي لم يتردد في وضع اسمه ضمن لائحة المنعم عليهم بوسام العرش من درجة ضابط، مكافأة له على جهوده من أجل ضمان الأمن، وعلى الدور الذي لعبته المديرية في تفكيك لغز تفجيرات أركانة، وصولا إلى الاستقبال، الذي خصه به باتريك كالفار، المدير العام للأمن الداخلي الفرنسي، حرصا من الدولة الفرنسية في التعبير عن تثمينها لدور المخابرات المغربية عقب تفجيرات باريس الإرهابية.
قبل ذلك بأشهر قليلة، وفي الوقت الذي كانت تصر فيه فرنسا على معاملتها غير اللائقة للمسؤولين المغاربة، لم تتردد إسبانيا في الاعتراف بدور المديرية التي يشرف عليها الحموشي في حماية أمنها من خلال العمل المشترك بين الأجهزة الأمنية للبلدين، والذي مكن من تفكيك البنيات اللوجستيكية لاستقطاب الجهاديين، وكذا للتواصل المستمر بين المخابرات المدنية المغربية ومكتب الاستعلامات للشرطة الاسبانية، إذ منحت المملكة الإسبانية، نهاية السنة الماضية أوسمة لمسؤولين بالمخابرات المدنية المغربية اعترافا بدورها في استتباب السلم والأمن عبر العالم.
وسلم فرانسيسكو مارتينز فاسكز، كاتب الدولة الإسباني المكلف بالأمن، للحموشي، خلال حفل نظم بمدريد، وسام «الصليب الشرفي للاستحقاق الأمني بتميز أحمر»، أحد أعلى التوشيحات الشرفية التي يمكن منحها لشخصيات أجنبية، فيما تسلم مديران مركزيان بالمديرية نفسها «الصليب الشرفي للاستحقاق الأمني بتميز أبيض».
وذكر الموقع الرسمي لوزارة الداخلية الإسبانية أن هذا التوشيح الصادر عن الإدارة العامة للشرطة الإسبانية، يأتي بسبب العمل المشترك الذي مكن من تفكيك شبكات استقطاب إرهابية في سبتة ومليلية والفنيدق وتطوان.
وما يزيد من قيمة الاعتراف الإسباني، أن الأوسمة المذكورة لا تمنح إلا للمساهمين في حماية أمن إسبانيا، وفق قانونها التأسيسي الصادر في 1943، وذلك للاعتراف بالخدمات التي كان يؤديها أفراد الشرطة في الدفاع عن الأمن في مواجهة الإجرام.
المبادرة الإسبانية جاءت في وقت وصل فيه التعاون الأمني مع المغرب إلى مستويات متقدمة بفضل فعالية وحيوية مصالح المملكتين، ما يعكس مكانة المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني شريكا ذا مصداقية في مجال مكافحة مختلف أنواع الجريمة.
وتعتبر العلاقات الجيدة بين الأجهزة الأمنية في المغرب وإسبانيا دليلا على المهنية المعترف بها للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني «ديستي»، وقدرتها على التكيف مع مختلف التطورات البشرية والتكنولوجية، في ظرفية إقليمية وعالمية تتميز بتقلبات قوية وتعدد التهديدات التي تستهدف السلم والاستقرار في العالم.
العمليات الأمنية المشتركة بين المغرب وإسبانيا ضد شبكات التجنيد لتنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام «داعش»، دفعت قضاة البلدين نحو مزيد من التنسيق تفعيلا للاتفاقية الثنائية القاضية بتبادل تسليم الأشخاص الموجودين فوق تراب أحد الطرفين والمتابعين أو المحكوم عليهم من قبل السلطات القضائية، للطرف الآخر من أجل مخالفة القانون الجنائي.

خبير السلاح الإيديولوجي

لم تأت خبرة الحموشي من التحصيل العلمي بقدر ما اكتسبها من خلال مسار استثنائي بدأ من قلب الصراع الإيديولوجي في الجامعة بداية تسعينات القرن الماضي، إذ ودع مدرجات الكلية في 1990  بدبلوم الدراسات العليا مكنه من اجتياز‬ مباراة توظيف عمداء الشرطة. وقبل إنهاء مدة التكوين بالقنيطرة، رصده رجال مديرية مراقبة التراب الوطني، التي سيلتحق بها فور تخرجه.   
قبل أن يدخل عقده الثالث، شفع له التفوق في مواد التحليل والمتابعة بوضع يده على أخطر الملفات بداية من أحداث مراكش 1994، إثر قيام عناصر مسلحة بإطلاق النار على سياح في فندق أطلس أسني، ما أدى إلى وفاة سائحين.
تسلق السلالم بسرعة فائقة، إذ كان من بين الأطر الشابة التي أعطيت لها الفرصة بعد أحداث 11 شتنبر 2001 في الولايات المتحدة، وتزايد خطر الجماعات الإرهابية، وأسعفته الاتصالات المكثفة للمخابرات المركزية الأمريكية مع مديرية مراقبة التراب الوطني فأصبح الرجل رقم 1 داخل حلقات مسلسل التعاون بين البلدين من خلال تبادل الخبرات والمعلومات في محاربة الظاهرة.
وكانت أحداث 16 ماي 2003 بالبيضاء أول احتكاك مباشر للحموشي بمسرح الجرائم الإرهابية، إذ شارك فعليا في التحقيقات الميدانية بشكل أثار انتباه رؤسائه، خاصة الجنرال حميدو العنيكري، المدير السابق لمديرية مراقبة التراب الوطني، الذي وضعه ضمنيا في رتبة مساعده الأول.
ورغم التغيير الذي عرفه الجهاز المذكور، شهرين بعد أحداث 16 ماي بتعيين لعنيكري، مديرا عاما للأمن الوطني، وأحمد حراري على رأس «ديستي»، بقي الحموشي رجل الاختصاص في المديرية  مكلفا بمصلحة محاربة الإرهاب.
سنتان بعد ذلك سيأخذ مكان رئيسه المباشر، إذ عين في دجنبر 2005، مديرا لـ «ديستي»، وهو لم يكمل بعد عقده الرابع، فكان أصغر مسؤول أمني يتولى إدارة مراقبة التراب الوطني في تاريخ المغرب.
لكن صغر سنه لم يمنعه من فرض إستراتيجيته الرامية إلى توسيع دائرة المواجهة بالاشتغال على الجبهة الإيديولوجية، وحملت انتصاراته في حرب الأفكار مع شيوخ السلفية الجهادية الموجودين رهن الاعتقال أول غيث المراجعات داخل السجون، إذ كتب الشيخ محمد الفيزازي تدوينة على حائطه ب»فيسبوك»: «لم أتشرف البتة بلقاء عبد اللطيف الحموشي مدير «ديستي»، لكني أعلم من خلال الاحتكاك برجاله خلال سنوات السجن، ومن خلال ما أسر إلي بعضهم من تصرفات الرجل، وأنا وراء القضبان، ومن خلال نزاهة التقارير التي كانت ترفع إليه بخصوص سلوكاتنا ومراجعاتنا إبان سنوات الاعتقال .. يمكنني أن أشهد للتاريخ أن الحموشي رجل نزيه وكفؤ، ومخلص لوطنه، وللمسؤولية الجسيمة التي أنيطت به، وأن الرجل أكبر من أن تتلوث يده بتعذيب أي كان، أو أن يأمر بذلك أو يشرف عليه… يمارس مهامه باحترافية مدهشة وبأخلاق هائلة، وقل ما يوجد شخص في مثل مسؤوليته الكبيرة يجمع بين هذين العاملين: أكبر مهمة بوليسية مع قدر كبير من الأخلاق الفاضلة.

مهندس برامج التفكيك

لم تقتصر إستراتيجية الحموشي على حرب الأفكار داخل السجون وخارجها، بل حاول إحداث التوازن المطلوب بين النظري والميداني، فقد ارتفعت وتيرة تفكيك الخلايا وتعددت المصائد المنصوبة للذئاب المنفردة، ووصلت حصيلته في عشر سنوات التي قضاها قائدا لجبهة الحرب على الإرهاب إلى أزيد من 90 عملية.
بدأ عمليات الصيد أياما قليلة بعد تعيينه عندما أوقع، في غشت 2005، أربعين عنصرا في خلية تحمل اسم «جماعة المسلمون الجدد»، اتضح في ما بعد أن لها فروعا في إيطاليا وفرنسا وبلجيكا وألمانيا وإسبانيا والجزائر، وينتشر أفرادها بالرباط وسلا والبيضاء والناظور.
تعددت التدخلات بعد ذلك، وتوالت الأسماء، خلية أنصار المهدي وحزب التحرير الإسلامي وجماعة التوحيد والجهاد في 2006 ولكن التحدي الأكبر الذي واجهه الحموشي كان الهجمات الإرهابية التي عرفتها البيضاء في 2007، حيث وقعت ثلاثة تفجيرات خلال شهرين، أسفرت عن مقتل أصحابها، ورجل أمن، وإصابات في صفوف المواطنين.
وفي ماي 2009 انبعث نظام الخلافة في أوساط الجهاديين، لكن بتفسيرات أكثر تشددا، تبنتها خلية «المرابطون الجدد» التي كان المنتمون إليها ينشطون في العيون وأكادير وبني ملال على استقطاب عناصر انفصالية مناوئة للوحدة الترابية للمغرب.   
واستحق الحموشي وساما في الذكرى الثانية عشرة لاعتلاء جلالة الملك العرش إثر تمكنه من تفكيك خلية أركانة بعد شهر من الهجوم الذي استهدف المطعم الشهير بساحة جامع الفنا المراكشية في أبريل 2011، وأسفرت عن سقوط 17 قتيلا وجرح 20 من جنسيات مختلفة.
وبعد أقل من ثلاثة أسابيع، تم الإعلان عن اعتقال 3 أشخاص من ضمنهم المنفذ الرئيسي للعملية، الذي تعلم صنع المتفجرات من الأنترنت، ونجح في صنع عبوتين ناسفتين تحكم فيهما من بعد عن طريق هاتف محمول. وكذلك كان التعامل مع «سرية البتار» و»خلية إسلاميي الأنترنت» التي حاولت الهجوم على سجون لإطلاق سراح معتقلين متطرفين  في شتنبر من السنة نفسها.
في 2012، تجددت الحرب على الإرهاب بمواجهة خلية «أنصار الشريعة بالمغرب الأقصى» وأوقف تدفق السلاح الليبي على منطقة الساحل وإفشال مخطط اقتحام سجن مكناس.   
وتكشف المعطيات أن حصيلة المديرية في ثلاث سنوات الأخيرة شملت تفكيك 27 خلية إرهابية، منها 14 خلية تم تفكيكها السنة الماضية، و8 خلايا فككت ما بين يناير وماي من السنة الجارية، مقدرة عدد المغاربة الموجودين ضمن صفوف  مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام بما يقارب 1350، أكثر من 200 منهم معتقلون سابقون بعد إدانتهم في قضايا إرهابية.  وتوضح تقارير المديرية أن العديد من مغاربة «داعش» يتولون مسؤوليات في التنظيم الإرهابي، وهو ما يفسر، أهمية الاستقطاب من المغرب، الذي يتم بواسطة الأنترنت ومواقع الاتصال الاجتماعي، أو عبر وسطاء هم في الغالب من أقارب الإرهابيين.
وبخصوص حصيلة القتلى المغاربة في «داعش» تحمل التقارير رقم 286 ضحية، مسجلة أن 156 من الجهاديين عادوا إلى الوطن، بعدما تفاقمت ظاهرة الجهاديين المغاربة الملتحقين بالتنظيم منذ 2012، حيث توالت موجات الهجرة إلى أراضي النزاع في سوريا والعراق، سواء من المدن المغربية، أو من بعض البلدان الأوربية، إذ سبق للمصالح الأمنية المغربية أن حذرت في بلاغات لها من خطورة هؤلاء الجهاديين، نظرا لأنهم استفادوا من تدريبات قتالية، وأن بعض العائدين من مناطق «داعش» تم اعتقالهم وأحيلوا على المحاكمة، وأن ما يزيد من احتمال تعرض المغرب لعمليات إرهابية انخراطه في التحالف الدولي ضد الإرهاب في العراق وسوريا وغيرهما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق