ملف الصباح

“مستملحات” و”طرائف” شقق الأحلام

قد يبدو ظاهريا أن شراء شقة الأحلام وبثمن أرخص في إطار مشاريع السكن الاقتصادي نعمة دائمة ، لكن بمجرد انتقال الأسرة إلى هذا الصنف من السكن تتحول النعمة إلى نقمة، وتبدأ العائلة والجيران في عيش فصول من الإثارة والتشويق بمفهومهما السلبي، إضافة إلى معايشة مجموعة من الطرائف التي صارت “ماركة” مسجلة باسم هذه الأحياء.
زرنا العمارات السكنية الكائنة بحي الرحمة وفرح السلام ورياض الألفة وليساسفة بمقاطعة الحي الحسني بالبيضاء، هذه الشقق التي تبدو للوهلة الأولى تجمعا عمرانيا حضريا، لكن بمجرد التوغل داخل أزقتها تكتشف بأن معالم البادية ونمط العيش العائد لدور الصفيح مازال سائدا، بسبب انتشار العربات المجرورة وتربية الدواجن. إذ ما زال بعض السكان القاطنين بهذه الأحياء السكنية يحنون إلى زمن “العروبية ورائحة الدوار” ويعجزون عن الاستغناء عن عالمهم الأول، ما يجعل من عيشهم في عالم المدينة لا يحمل من الحضارة إلا الاسم.
ليس انتقال “البادية” ما يرتبط بهذا الصنف الجديد من السكن بالبيضاء، فالطرائف ليست وحدها المسيطرة على هذا العالم الخاص، بل منها السلوكات المزعجة إلى حد لا يطاق، فهذه الأحياء السكنية تتحول إلى مصدر للضجيج وتكون أحيانا مسرحا لمواجهات عنيفة تنتهي بعاهات وإصابات خطيرة، وهو ما يخلف معاناة ومشاكل كبيرة للسكان.

دواب..
لمواجهة هذه المشاكل التي تزداد مع نهاية الأسبوع، وضع العشرات من المتضررين شكايات ضد قاطني هذه الشقق، لكن مصير أغلبها كان في عداد النسيان، وهو ما جعل المشتكى بهم يعودون إلى الإزعاج نفسه بسبب أن عقلية بعض “القوم” لا تعترف بقانون الملكية المشتركة رغم قدوم الأمن الذي يحذرهم من تكرار أعمالهم الفوضوية، وهو ما يجعل حياة سكان العمارة والمجاورين لهم تتحول إلى جحيم لا يطاق.
النموذج هنا، محمد، (تاجر)، والملقب في الحي ب”با محماد”، الذي كان يظن أنه بهروبه من عالم “الكراء” وانتقاله إلى شراء شقة بالسكن الاقتصادي سيريحه من متاعب الماضي وسيجعله ينعم بحياة كريمة، لكن حظ هذا الشيخ جعله يسكن بجوار “علبة” يتكدس فيها البشر والحجر وأنواع مختلفة من الدواب، ففي الليل لا يهدأ له بال بسبب ضجيج الشقة التي يقطنها جيرانه بحي “رياض الألفة”، فرغم  الشكايات المتعددة التي وضعت لدى السلطات المعنية، ما زال الوضع على ما هو عليه.
هدوء الحي الذي توجد به عمارات وشقق متكدسة حتى أصبحت مدينة قائمة بذاتها، يعكر صفوه صخب الشقق التي تحتضن مكتريها من المهاجرين الأفارقة وبعض الشباب القادمين من مناطق مختلفة من المغرب، وهو الصخب الذي لا يتوقف إلا في الساعات الأولى من الصباح، لكن المتسببين في هذه الفوضى لم يعيروا شكايات السكان أي اعتبار، حسب ما أفاد به “با محمد” وجيرانه في حديث مع “الصباح”.
ويضيف (با محماد) “ليس من السهل إرغام المتسببين في هذه الفوضى على الرحيل وتغيير مقر السكن خصوصا إذا كان في ملكيتهم، لكن ليس صعبا على السلطات المحلية أن تضع حدا لمعاناة “.

شقوق…
سكان الرحمة ورياض الألفة وفرح السلام، عبارة عن مرحلين سابقين من دواوير منطقة دار بوعزة وكريان باشكو ومناطق مختلفة من العاصمة الاقتصادية، إضافة إلى بعض “عاثري الحظ” الذين اقتنوا شققا بالمنازل المشيدة، بحكم أن أثمنتها التشجيعية تغري بذلك، لكن لم يخطر ببالهم بأنهم سيعانون داخل شققهم ابتداء من أولى ساعات الليل، الذي ما أن يرخي بستاره، حتى تهيم المدينة في جو من الفوضى وانتشار سلوكات مشينة تبكي وتضحك المرء في الوقت نفسه، ومن بين هذه السلوكات التي تدخل ضمن خانة مستملحات وطرائف “السكن الاقتصادي” اضطلاع الجيران على ما يدور بشقة جارهم سواء منها الصالح والطالح، فليس ضروريا أن يسمح لك الجار بدخول شقته لتعرف ما يدور بعالمه الخاص، إذ يكفي فقط أن تأتي بالشاي والحلوى لتتابع سهرة من نوع خاص سواء عناء ربة البيت في مطبخها أو من خلال عتابها لابنتها لأنها أسقطت “طنجرة الضغط” أو كأسا أثناء قيامها بغسل الأواني.
وليس هذا فحسب، إذ من خلال ما يطلق عليه سكان هذه الأحياء ب”شوهة السكن الاقتصادي” بسبب البنية التحتية المهترئة وعدم صلابة الجدران الفاصل بين الجيران، صار بإمكانك معرفة الحياة الخاصة لجارك وسماع ما يدور بغرفة نومه أثناء علاقته الحميمية مع شريكة عمره، وهو ما يجعل الساكن بجواره وعائلته يقعون في موقف محرج بسب سماع ما يدور بين الزوج وزوجته، وهو ما يمكن أن يصبح حديثا يتشاركه نساء الحي في جلسة شاي.
وقد يص بح سبا وقذفا بين الجيران أثناء شجارهم وهو ما يجعل بعضهم أضحوكة ونكتا يتداولها سكان الحي بأكمله.
الفوضى والإزعاج لا يأتيان من قبل أبناء الوطن، بل حتى الأجانب “الأفارقة” يلعبون دورا كبيرا في ما يسمى “مستملحات السكن الاقتصادي” فهؤلاء المهاجرون معروفون بحديثهم بأصوات عالية صباحا ومساء وهذا يدخل ضمن ثقافتهم وعاداتهم المتجذرة التي لا يمكن تغييرها بمجرد الانتقال للعيش في بلد آخر.
هذه الصفات تثير ضجيجا لسكان الأحياء الاقتصادية وتجعلهم منفتحين على ثقافة من نوع خاص وهو ما يجعل أغلبيتهم يدخلون في ملاسنات دائمة يمكن أن تتطور في بعض الأحيان إلى حرب عصابات، كما حصل في رمضان الماضي بحي “فرح السلام” بالألفة، عندما استنجد أحد المهاجرين بعائلته وأصدقائه لمساعدته في معركته ضد بعض الجيران، إذ لولا تدخل الجيران والأمن لتطورت الأمور إلى ما لا يحمد عقباها، ناهيك عن المستملحات الأخرى التي تتمثل في سخرية وتهكم أطفال وشباب هذه الأحياء على جيرانهم المهاجرين بمناداتهم بعبارات من قبيل “إيبولا” و”مونامي” و”ماما” وهو ما يسبب نوعا من الاستياء لدى هذه الفئة من الوافدين على الوطن، ورغم ذلك يتعايش المغاربة والأفارقة في أحياء سكنية لا تستجيب لأبسط شروط العيش.
محمد بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق